Atwasat

المفتي وتوطين العلم والتقنية أولاً (3)

سالم العوكلي الثلاثاء 27 يناير 2026, 12:41 مساء
سالم العوكلي

وتظل الأسئلة المهمة تتهاطل عبر فصول كتاب «توطين العلم والتقنية: الطموح والواقع» لمؤلفه د. محمد المفتي، حيال دور العلم، ليس في مجال البحث والإنتاج المعرفي فقط، ولكن في الحياة الاجتماعية وفي منظومة سلوك الجماعات البشرية: هل هو مجرد منتج للتقنية التي تبعث على زيادة الإنتاج والرفاهية الاقتصادية، أم له علاقة وثيقة بتغير القيم ونمط العلاقات ومن ثم طبيعة العقل المفكر بواسطته؟

بمعنى آخر؛ هل سيصل بنا العلم إلى إنجاز قيم إنسانية سلوكية هامة لتشكيل المجتمعات الحديثة مثل التسامح والقابلية للحوار وتهيئة البيئة الحاضنة للثقافة الديمقراطية؟ وبالتالي بنى المجتمعات المدنية التي نربطها دائماً بالفكر السياسي النظري والتطور الاقتصادي والثورات، وإلحاح هذه الأسئلة ما جعله يذهب إلى الفصل السابع من الكتاب «العلم والتسامح» والذي يطرح فيه ميكانيزمات العلاقة التاريخية بين السلطة والمعرفة، والتناسب العكسي بينهما، فبقدر ما تقل المعرفة تطبق السلطة خناقها على المجتمع باحتكارها الأجوبة عن ظواهره وأزماته، ضارباً مثاله التاريخي عن احتكار الكاهن للمعرفة الذي هدده فيما بعد التخصص الحرفي.

معتبراً أن «المعرفة كانت بداية تجزئة السلطة داخل المجتمع البشري البسيط» ومن ثم كان ظهور التيار الإنساني الذي شدد على أن الدراسات الإنسانية بدلاً من الدينية هي بداية النهضة وازدهار الاختراعات والفنون والمعمار، وكان في الوقت نفسه المحفز على تحكيم العقل وعلى قيمة التسامح التي انبثقت من قدرة الإنسان على الإبداع والمغامرة وعرضته للخطأ، وليكون الباب مفتوحاً فيما بعد للموضوعية كي تأخذ مكانها بدلاً من الانحياز العاطفي والمرجعيات الغيبية المغلقة الطاردة لقيم الحوار والابتكار.

الموضوعية التي يُعرِّفها المفتي بعدم خروج النقاش عن نطاق البيانات المتاحة، وإقرار مبدأ النقد والاختلاف في وجهات النظر المتأتي من احتمالية الأحكام والنظريات والقوانين العلمية، واستبعاد الانفعال بالرجوع إلى القياسات ونتائج التجربة، وأخيراً استبعاد ردود الفعل القائمة على الانطباعات والتحيزات بتحاشي التقييم المسبق لصاحب الرأي سواء أكان هذا التقييم منطلقاً من اعتبارات إثنية أو أخلاقية. وبتشخيص كهذا ستكون الموضوعية هي الحقل الفسيح الذي تنمو فيه قيم التسامح وما يتبعها من آليات اجتماعية وسياسية، بقدر ما تراهن على قدرات الإنسان الإبداعية تحترم إنسانيته، فالإنسان انتقل من كونه غاية لتحدي الشيطان وألعابه إلى كائن يعرف ويغامر ويجسد معجزاته الذكائية على الأرض، وهذا المفهوم الجديد هو الذي أعطاه قداسته ومن ثم حقوقه الإنسانية.

إن الكائن الخطاء أصبح يراكم من معرفة أخطائه بنيانه الحضاري، والأهم أن الخطأ غدا وليد التجربة والطموح الشرعي ولم يعد إثماً يقاصُّ بسببه، لذلك «لم يكن صدفة أن يقنن التسامح للمرة الأولى في إنجلترا لأنها كانت آنذاك مهد الثورة العلمية والتقنية»، قاصداً هنا قانون التسامح الذي صدر العام 1687 في البرلمان البريطاني والذي يبيح حرية المعتقد وقانون حقوق المواطن بما فيها حقه في مقاضاة الدولة، ووفق هذا التقنين لم يعد التسامح مجرد منزع سلوكي شخصي قيمة، بل قانوناً ملزماً ترعاه مؤسسات عدة، وهذا لم يتم بخيار السلطة السياسية أو الكنيسة آنذاك، لكنه نتيجة الضغوط التي فرضها الإنجاز العلمي والتحرر من احتكار المعرفة بما صاحب هذا الصراع من تضحيات كبيرة.

وهذا الجدل التاريخي بين المعرفة والسلطة هو الذي يطرح من خلاله المفتي إجاباته عن سؤاله الملح: «هل ثمة علاقة بين العلم وهذه القيم الجديدة: الدولة المدنية، الاستنارة، التسامح الديني ، وحقوق الإنسان؟»، وهو السؤال الذي تجاوزه المشروع النهضوي العربي الذي راهن على إمكانية النهضة انطلاقاً من الفكر الإنساني التنويري في حقول المعرفة المجردة، دون الانتباه إلى فكرة الجدل المنهجي بين التحديث الذي يتم في أطر التقنية والعلم والاختراع، والحداثة التي تتم في أطر الفكر والفن والأدب.

وهذا ما يجعله يقترح إجاباته أو يقدم كطبيب الروشتة المناسبة بعد ما طرحه من تشخيص للأزمة، أو كما يقر «ولهذا وحتى نحقق آمالنا في مجتمع مدني ينعم بالتسامح والحرية وحقوق الإنسان.. علينا أن نواجه كل هذه العوائق، وعلينا أن ننتبه إلى الحلقة المفقودة في ثقافتنا، ألا وهي العلم مصدر التقدم ومنبع التسامح الاجتماعي» وهنا، مرة أخرى، لا يعني العلم لديه إنشاء المدارس والجامعات، ولا إرسال البعثات الدراسية للدراسة في الخارج ، ولا استيراد أحدث وسائل التقنية فقط، لكنه مشروع لتوطين العلم يلخصه في الآتي:

«أن نسعى لوضع جدول زمني محدد لإعادة صياغة المناهج الدراسية لتشمل مادة حقوق الإنسان، ولتفسح مساحة أكبر للعلوم الطبيعية وتاريخها، إضافة إلى رعاية البحوث العلمية الجادة باعتبار روح البحث تعني المراجعة المستمرة لكل المواضعات والقناعات في ضوء ما يستجد..» وهنا لا يتطرق المفتي لطُرق التدريس والوسائل التعليمية الحديثة التي تجعل من الطالب مشاركاً أكثر من كونه وعاءً للتلقين، إضافة إلى أن معظم البحوث في العالم المتطور تُجرى في الشركات الخاصة أكثر من الجامعات بسبب التنافس الاقتصادي ومتطلبات السوق، وكل نتاج للثورة الصناعية الكبرى وإعطاء مبدأ المبادرة للقطاع الخاص كي يطور آليات ونوعية إنتاجه وفق ضغوط التنافسية الهائلة.

لكنه يعود في الفصل التاسع لتدارك هذا المفهوم، عبر اختصاره لمحصلة ما أشار إليه في عدة نقاط، تتعلق بضرورة تأسيس قاعدة معرفية محلية تحقق تآلف المواطن مع العلم والتقنية «فتوطين العلم لا يتم فقط باستعارة المناهج الدراسية، أو حتى المصانع، والعلم ليس مجرد كتالوجات أو أدوات تستعمل بجهل كامل لآليتها وطرق صيانتها وكيفية إصلاحها» ـ كما أنه لا بد من الالتفات إلى البيئة الحاضنة بكل أبعادها «وهذا يعني غرس قدر هام من التسامح والانفتاح الإيجابي نحو الآخر الأجنبي مع الحفاظ على المصلحة القومية».

إن خلق النفسية أو الذهنية الشعبية الجديدة التي يشكل التفكير العلمي والتقنية جزءاً من تكوينها، وإتاحة المناخ الثقافي العام لاحتضان هذه الذات، تشكل لدى المفتي مفاصل التطور الحضاري بكل أبعاده، حيث العقل العلمي عميق الصلة بقيم أخلاقية عديدة تنتج في مجملها مجتمعاً على قدر وافر من التطور وانضباط السلوك، وهذا ما يذهب إليه باشلار في كتابه ـ تكوين العقل العلمي ـ حيث يقول: «لابد لحب العلم من أن يكون نشاطاً نفسانياً ذاتي التوارث، وفي حالة التقنية التي يحققها تحليل نفساني للمعرفة الموضوعية يعتبر العلم جمالية العقل»، وهذه الجمالية البناءة هي ما يسعى إليها كتاب توطين العلم الذي مراراً كان يكرر برنامجه لتحويل العلم إلى جزء من تكوين وجدان المجتمع وأخلاقه وسلوكياته، وكل هذا «يتطلب وجود نخبة ذات ولاء لمجتمعها متفتحة ومستنيرة في كل قناعاتها".

وأخيراً فإن هذه المعادلة الصعبة تنقلنا إلى سؤال جدلي طالما راود المفكرين في منطقتنا: هل التقدم العلمي وروح الابتكار والتطور التقني هي التي تؤسس للتسامح والديمقراطية أم العكس؟ أم هي علاقة متوازنة ومتوازية؟ وفي هذه الحالة نعود للسؤال الجوهري: من أين نبدأ؟ مضيفاً هل سيكون لثورة الاتصالات والمعلومات وما سيتمخض عنها من ذكاء اصطناعي دور ما في ما يسمى حرق المراحل؟ وهل ستكون المجتمعات التي فاتها قطار التنافس في اقتصاد الصناعات قادرة على المنافسة في مجال اقتصاد المعرفة؟.

إنني أرى شخصياً أن الثورة الرقمية التي نعيشها الآن والتي تمثل الصدمة الرابعة للعقل الإنساني، ستعمل على تفتيت بنى الأنظمة الشمولية عبر نشر المعرفة والخبر باعتبارها تكسر احتكارهما، وتجعل العقول بما فيها العقول المستهلكة في حالة صدام مباشر مع إنجازات العلم المبهرة، كما أنها تهدد بامتياز نرجسيتنا التاريخية البيانية، وتطرح قيماً إنسانية بديلة عن التي نتغنى بها، وتنعش حالة الشك في تاريخنا الذي يحتاج إلى إعادة قراءة من شأنها أن تغير الصورة المغلوطة عن الذات وعن الآخر.

إن ثمة سلطات متعددة في مجتمعاتنا يشكل التطور الاجتماعي في مجال العلم والمعرفة تهديداً لكيانها ومصالحها، وستدافع بما أوتيت من قوة عن تكريس واقع التخلف والاستكانة، لكن لا يمكن أن تصمد أمام هذا الانسياب المعرفي ورغبة العالم في التوحد عبر أحلامه ومخاوفه في الوقت نفسه.

إن أهم ما في كتاب المفتي أنه يضع إصبعه على الجرح النازف في وجداننا وأنه يذهب مباشرة، ودون مواربة، إلى طرح أسئلته الهامة وأجوبته الإجرائية الجريئة، والأهم من ذلك يعتبر ـ دون تردد ـ أن الحضارة الغربية هي نموذجه الأهم الذي يجب الاستفادة مما حققه، حيث تجارب مثل اليابان وسنغافورة أثبتت إمكانية هذا التوجه عبر التخلص من عديد الأوهام التاريخية والعاطفية في نظرتها لذاتها وللآخر، ذاهباً إلى أن الإسهام في العلوم والتطور التقني، أو ما يسميه «توطين العلم والتقنية» يؤكد على التمسك بالهوية والروح القومية، بينما الاستهلاك المجاني لمنتجات الغرب كما يحدث الآن هو الذي يهدد في الواقع احترامنا للذات، وبالتالي هويتنا.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»