Atwasat

قراءة في كتاب «عبدالونيس محمود: إباء الرّجال وأعباء النضال» (4-4)

ناصر الدعيسي الإثنين 19 يناير 2026, 06:28 مساء
ناصر الدعيسي

تحدث في مذكراته عن الضربات الموجعة التي تلقاها من أول اعتقاله على يد محمد المقريف. وعن الموت الذي طارده خلال 18 عاما كطائر فينيق. وعن تلك الجدران البائسة. كان شفافا وهو يصف كيف يبني العنكبوت بيته داخل الزنزانة، وكيف أنقذ نملة من تلك الشباك التي تنصب لضحاياها في خيوط العنكبوت، وكأنه حقل ألغام ومنها أسقط عبد الونيس المشهد الصغير على ضحايا تلك الزنازين الكبيرة.

وصف كيف كانت صرخات رفاقه الذين يجري ترحيلهم من بعدها للقبور. وكيف أصبحوا في الزنزانات مخزونا استراتيجيا في كل لحظة إعدام يريد النظام تحقيقها كي يشبع نهمّه للقتل. بانوراما حية يرويها شاهد عيان. ولا يمكن لبارع في الكتابة أن يجعلها كنار في الذاكرة سوى عبدالونيس محمود. لأنه عاش لحظات الموت القادم. وتلاشت كل أحاسيسه حتى في ألم الرصاص الذي سيستقبله صدره يوما ما. كان كبطل حنا مينا في روايته «حكاية بحار» سباحة في وجه التيار موت محقق. كان عقله متعلقا بآلية الموت القادم. وهل سيكون عاري الرأس أم بغطاء؟ وصف لحظة الحكم بالإعدام بأن مشاعره ماتت وأصبح هناك بون شاسع بين الحياة والموت وبين الفرح والحزن لذا يقول: لا يمكنني أن أصور الألم الذي قاسيته منذ ما يزيد على 20 عاما وأضعه على الورق وتطرق لنهاية أول ضابط جرى اغتياله في الجيش بسبب التعذيب داخل السجن المرحوم «المقدم عبدالحميد الماجري» كان محمد أحنيش بارعا تماما حين جرى اختياره لهذه الشخصية التي شكلت داخل أروقة الجيش على فترات كثيرة جدلا طويلا لمكانة الرجل في المؤسسة العسكرية. حدثني المقدم «على القهواجي» رحمه الله أحد ضباط محاولة سبها 1970 أن العقيد عبدالعزيز الشلحي حضر للكلية العسكرية أثناء وجود عبدالونيس محمود أستاذا بها.

ولم يجده بين الضباط فلم يسأل عن أي شيء سوى أين عبدالونيس محمود؟ أعتقد كصحفي معاصر لهذه المحاولات الانقلابية أن القذافي اختار هذا اللون في تصفية الخصوم أكثر من مرة، ولهذا جرى تطبيقه على عبدالونيس لأنه يعلم أن هذا الضابط أكثر ضباط المحاولة خطرا على نظامه لما يملكه من كفاءة وخبرة وبعد انقلاب سبتمبر مباشرة رشح عبدالونيس محمود رئيسا لأركان الجيش من قبل مجلس الانقلاب، لكن اكتشاف انقلاب موسى أحمد وآدم الحواز حال دون هذا المنصب آنذاك وهذا الذكاء والفطنة يعرفها الكثيرون من ضباط الجيش.

وكان القذافي على يقين من أن دوره محوري ومصيري حتى لو ثبتت براءته في المحكمة. وهو سلوك مشين اختاره لضابط محوري آخر يعتبر من أبرز قادة انقلاب عمر المحيشي 1975 «أحمد بوليفة» حيث واجه تعذيبا ممنهجا حتى أنه لم يستطع الوقوف على رجليه وأصيب بشلل نصفي ولأنه كان آمر كتيبة الحرس الخاصة بالقذافي أصعب سؤال خامره طويلا في ظل محنته المخيفة والمريبة والتي عاشها حين قال «تقف ذاهلا تتساءل مع نفسك لكنك لن تجد حولك من تسأله هذا السؤال المتعلق والمحيرّ في آنٍ معا. هل أنا عاقل أم مجنون؟»، ذكرني هنا برواية للكاتب الياباني يوكيو ماشيما صاحب المنهج السامورائي الذي انتحر به في روايته الشهيرة «عيون الفراشة» والتي حلم فيها البطل بأنه فراشة وحين استيقظ من الحلم لم يعد يعرف نفسه فراشة أم إنسانا. تحدث عن ضباط فقدوا عقولهم ومنهم من أقدم على الانتحار طوعا. ومنهم من قتل زميله في الزنزانة لأنه لم يعّد يدرك ما يفعل.

جحيم السجون والأنظمة الشمولية التي لا تحترم حقوق الإنسان قدمها عبد الونيس كضابط حلم بتغيير واقع مرير في وطنه. وسياسي مؤطر. وكمثقف واعٍ بكل أحداث وطنه. برع المؤلف في وصفه للأحداث وخلق روح شفافة في الكتاب، ولم يلغِ بعض الوجدانيات في عقل عبد الونيس. حاول أن يفكك لديه ذلك الماضي المؤلم وتلك المواقف الأليمة كي يستفز ذاكرته. كان الحاج محمد أحنيش قد قدم لنا محاولة في أدب السجون واختار لها رجلا له تاريخه ومكانته سواء في الجيش أو في الحياة الاجتماعية.

وحقق نجاحا مميزا حين أبرز لنا هذه المحطات الملتهبة من زنزانات ذلك النظام. وأن التاريخ سيظل حيا دائما. يقول فرانز فانون في سوسيولوجيا ثورة «فوران المشاعر المبذولة في حياة التجربة معرضة لحدوث الموت المفاجئ دائما» هكذا كانت مشاعر عبدالونيس محمود مبذولة لوطن في تجربته لكنها انتهت كنهاية الفراشات عند الفجر. وهكذا الدنيا تعطي من تشاء وتحرم من تشاء. لأنها الأقدار التي ترسم لنا حتمية الخيارات الكبيرة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»