Atwasat

تأملات فيما حدث

امحمد شعيب الخميس 08 يناير 2026, 02:59 مساء
امحمد شعيب

كثيرة هي الدراسات حول الدولة؛ مفهومها، أركانها، وظائفها، ومبررات وجودها، ولكن ما يهمنا هنا هو أن الدولة الحديثة منتج أوروبي حديث جاء بعد سلسلة من التطورات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. وكان لزاماً لهذا النموذج، كمفهوم ومؤسسات، أن ينتقل إلى أماكن أخرى بحكم علاقة «المركز بالأطراف» في المرحلة الاستعمارية وما بعدها، وكذلك لضعف البنى الاجتماعية والسياسية في «دول الأطراف» كما يسميها البعض.

في ليبيا، التي كانت مسرحاً لصراع دولي ظاهر أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، أدى ذلك الصراع إلى منح البلاد استقلالها وتأسيس دولتها الحديثة بدستور يحمل مفاهيم وقيم دستورية معاصرة. غير أن هذه الدولة الوليدة، بحكم ظروف ولادتها، حملت في أحشائها عناصر ومكونات البنى التقليدية في مجتمع لم تتضح أو تكتمل بعد هويته الجامعة، وهي «الهوية الليبية». الأمر الذي فرض على حكومة الاستقلال أن تتماهى أحياناً مع البعد الجهوي والمناطقي والقبلي، حيث وظفته في صراعها السياسي مع خصومها، ولجأت إليه دعماً لسياساتها عبر تعيينات اعتبرتها تشكل تمثيلاً جهوياً أو قبلياً. هذا الخلل البنيوي خلق خليطاً من الولاءات: الولاء للدولة، والولاء للإقليم أو القبيلة.

بعد عام 1969، ورغم تبني النظام خطاباً أيديولوجياً حداثياً، إلا أنه تماهى هو الآخر مع البنى التقليدية عبر تحالفات خفية أو علنية، ووظف الجهوية والقبلية في معاركه السياسية. وفي خطوة اعتبرت من أشد الخطوات خطورة على كيان الدولة ومؤسساتها، أعلن عما سمي في ذلك الوقت بـ «الثورة الشعبية»؛ حيث تم تفكيك مؤسسات الدولة، والاعتداء على السلطات الثلاث، والتدخل الفج في أعمالها. في هذه الأجواء، ساد خطاب التباهي بالنسب القبلي بدلاً من العمل والعطاء، ونجم عن ذلك تحلل جهاز الدولة وتبني حالة انغلاق فقدت فيها الدولة البدايات الأولية للحداثة، كالحريات العامة واستقلالية المؤسسات؛ عندها عاشت البلاد تحت نظام «صواني» — كما يصف أحد المفكرين الأنظمة ذات الاقتصاد الريعي التي شهدتها المنطقة.

بعد عام 2011، ظهر البعد الجهوي في الحياة العامة أكثر وضوحاً على المستويين التشريعي والتنفيذي؛ حيث تم تأسيس «المجلس الانتقالي» بناءً على الأقاليم الجغرافية الثلاثة، وتبنى «المؤتمر الوطني» ذات المقاربة، وتكرر الأمر في «مجلس النواب» و«هيئة الستين». شهدت قاعة مجلس النواب مبكراً توجهات جهوية وقبلية كانت في بدايتها خجولة، ثم صارت علنية عند الاعتراض على أحد مقترحات تشكيل المجلس الرئاسي، حيث اعتبر البعض أن تلك الصيغة تعد اعترافاً بـ «إقليم رابع» في البلاد.

تم التراجع عن هذه المقاربة حرصاً على الوصول إلى صيغة تحقق القبول، وفي ظل حوارات مشحونة، طالب البعض بتوسيع المجلس الرئاسي ليضم عضوين ووزيراً مفوضاً عن كل إقليم. أثارت هذه المطالبة اعتراضات كثيرة، لكن الرغبة في الحل دفعت المعارضين للقبول بها مع الإقرار بوجود عدم توازن في أداء الدولة. كشف هذا التوجه «الرومانسي» مخاطر أصعب؛ إذ تبينت صعوبة الحديث عن إقليم واحد موحد ذي خطاب تمثيلي ورمزية محددة، كما استيقظت الحساسيات القبلية لقدرتها على التأثير في أي مسار داخلي. وسمح ذلك بتسلل الأيديولوجيا لمؤسسات الدولة واتساع دوائر الفساد، فواجه أعضاء المجلس الرئاسي اعتراضات على مقترحاتهم المتعلقة بتمثيل أقاليمهم، ليتدحرج الصراع من مستوى العضوية في المجلس إلى صراع قبلي داخل كل إقليم، حيث يبتعد المرشح عن كونه «موظفاً عاماً».

لقد أدرجتُ في عام 2017، وقبل أيام من مغادرتي المجلس، أنه: «لا عدل، لا سلام، لا مواطنة، لا ديمقراطية، لا دولة؛ ما لم يكن من يحرس بوابات البلد لا لون له، لا جهوياً ولا قبلياً ولا أيديولوجياً»، ودعوتُ حينها: «لا تبحثوا عن اسمه، ابحثوا عن ليبيا في داخله»، فإن البعض منا لا يستطيع الخروج من دوائره الضيقة، وتجربتنا السياسية المرتبكة ستظل تعيقها الهويات الضيقة لفترة ليست بالقصيرة.

أمام هذا المشهد المضطرب، الذي كشف عن قصور الدولة الليبية في إذابة الانتماءات الضيقة بعد قرابة ثمانين عاماً من تأسيسها، ولكي نخرج من حالة العجز عن امتلاك جوهر الدولة الحديثة والاكتفاء بمظاهرها، علينا طرح أسئلة موضوعية وجريئة لمواجهة حقيقة الهوية ومحتواها. هل ما نشهده هو عجز في إدارة الدولة، أم أنه ثقل العبء الجهوي الذي لا يمكن إغفاله؟ وعلينا البحث عن صيغة تحتويه وتجيب عن متطلبات وطن متنوع التضاريس، يحمل تعدداً يعطيه الحق في البقاء والوجود.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»