Atwasat

فيلم أميركي طويل: الرئيس في الأسر!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 06 يناير 2026, 12:20 مساء
أحمد الفيتوري

السبت 3 يناير 2026م، في مقابلة مع محطة «فوكس نيوز»، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب: إنه شعر كما لو أنه كان يشاهد برنامجا تلفزيونيا، وهو يتابع في بث حي، وقائع إلقاء القبض على مادورو.

أميركا هوليوود!
اجتاحت هوليوود العالم، لما كنت صغيرا، اصطحبني أبي وخالي أيضا إلى السينما، كنت أشاهد أفلام الكاوبوي الأميركية ثم «الأكشن» منها دون استمتاع، الغريب أني في مراهقتي أيضا، لم أستمتع بالأفلام الرومانسية الأميركية.

الأفلام الأميركية، بدت لا واقعية لعقلي الطفل، حيث شخص واحد يتغلب على الجميع، يغلب العشرات بعضلاته الفولاذية، أو بمسدس محدود الطلقات، وهو دائما على حق وغيره من المجرمين. حينها كنت مدمنا على مجلة السوبرمان، ومجلة الوطواط الأميركيتين، ما يُترجمان ويَصدُران في لبنان، فيكونان في مكتبات مدينتي بنغازي أسبوعيا. ما في هاتين المجلتين من محتوى، بدا لي حينها معقولا، فالسوبرمان رجل خارق القوة، جاء من كوكب آخر، أما الوطواط فيغلب بمساعدة آلات، وبخطط ومع أشخاص محدودين، ويُهزم بين الحين والآخر. مع المراهقة قاطعتُ الأفلام الأميركية، واحتجت إلى وقت كي أعود لمشاهدتها.

علاقتي الواقعية مع أميركا، اليانكي، العم سام، لم تختلف نوعيا، عن علاقتي بالأفلام الأميركية، بطبيعة الحال، مثل أغلب شباب العالم والعرب خاصة، كنت ضد السياسة الإمبريالية الأميركية في العالم، وخاصة في عالمنا العربي، بل وحتى في أميركا نفسها.

لكنْ هناك أمر يخصني، جعل العلاقة الشائكة عندي مرتبكة، بين بطل الفيلم الأميركي الذي لا يُهزم، وأميركا أعظم قوة بشرية في التاريخ حتى الآن، وبين الهزائم التي تُمنى بها أميركا، حيث كان الجيش الأميركي في فيتنام وصومال وأفغانستان، أو هكذا يبدو لي!

من الرواية إلى الواقع!
الروائي المكسيكي كارلوس فوينتيس يبدأ روايته: «اليوم وللمرة الأولى انتصرت المبادئ، ربما كهدية للجماهير المضطربة، بمناسبة حلول عام 2020 الجديد، قرر الرئيس أن يقدم شيئاً من الرضا الأخلاقي، ففي الرسالة التي وجهها إلى الكونغرس، دعا إلى انسحاب قوات الاحتلال الأميركية من كولومبيا، كما دعا وقف تصدير النفط المكسيكي إلى الولايات المتحدة. وترتب على ذلك أن نُظم الاتصالات في البلد قد قُطعت مع سائر أرجاء العالم، وأصبحوا بدون فاكسات أو بريد إلكتروني أو إنترنت أو خدمة هاتف، ولم يعد لديهم سوى شكلين من أشكال الاتصال المتاحة الآن، الشفهية والرسائل، وسرعان ما يبرز المتنافسون الذين يسعون للاستيلاء على السلطة، من خلال الرسائل التي يتبادلونها».

هذا الحدث ما بنى عليه الروائي المكسيكي روايته، ما تقع أحداثها عام 2020م، وكان كتب ذلك قبل بحوالي العقدين من أحداث الرواية، ولقد اعتقد - في ظني- أنه يتخيل ما سيحدث في ألفية قادمة، ولم تُكذبْ مخياله الأحداث، وأن حدث في بلاد أُخرى غير المكسيك بلاد الرواية، فالحدث المتخيل وقع حقيقة في فنزويلا التي للروائي معها علاقة شائكة.

فوينتيس صاحب المواقف السياسية الصاخبة، أصدر كتاباً بعنوان «ضد بوش»، ولم يوجه مواقفه باتجاه واحد فيما يخص المسألة الفنزويلية، فقد أعرب عن أمله مثلا، في رؤية حكومتين ديمقراطيتين في واشنطن وكاراكاس، وأكد أنه لا يؤيد «لا بوش ولا شافيز لا إمبريالية اليانكي ولا الاستبداد الاستوائي، تستحق القارة الأميركية ما هو أفضل». ورد على هجمات سفير فنزويلا التي اتهمه فيها بالعنصرية، تجاه الرئيس هوغو شافيز، قائلا: «إن السفير مهرج لدى المهرج، ولا يميز بين حرية الكاتب ووقار السفير».

المهم أن هناك من استطاع أن يجعل بلادا كفنزويلا، تغص بالنفط تغص في ظلام دامس، ما مخيلة الروائي ترجعه إلى عامل خارجي، مأتاه صراع داخلي على السلطة، والواقع لم يخالف ما جاء في رواية «كرسي الرئاسة»، الذي هو محط المشكل الرئيس في بلد استقل منذ عام 1811م، ويغص حتى الساعة في هذا الكرسي، ما لم ينجح صندوق الاقتراع في أن يجعله مسألة ديمقراطية، بل إن صندوق الاقتراع كالصندوق المسحور في قصص ألف ليلة وليلة، أو صندوق باندورا في الأساطير اليونانية، تنبثق عنه الكوارث.

(المسألة الفنزويلية) كما الأيقونة الساعة لمسألة (كرسي الرئاسة)، التي في الرواية تتحول، بعد قطع الاتصالات فالكهرباء، إلى مسألة شائكة تدور في الظلام، رغم (أنوار) الصندوق السحري، ويتضافر فيها العامل الخارجي والعامل الداخلي، حتى لا يبين الخيط الأبيض من الأسود!

الفينزويلية تضع على المحك، مسألة بدأت فيما سبق أنها جلية، أي مسألة السيادة الوطنية، الإشكال الفنزويلي يبين أنها مسألة شائكة، منذ ظهور الدولة الوطنية والامبريالية متزامنين. حيث (كرسي الرئاسة) يتجلى بصندوق الاقتراع في المسألة الفينزويلية كمسألة امبريالية أيضا ... والحقيقة الدامغة، أن من ليس بمستطاعه أن يحافظ على (إنارة) ليل بلاد تغص بالنفط، ليس بمكنته ادعاء تحقيق (الأنوار) في بلده، حتى ولو كان صراطه صندوق الاقتراع. عام 1973م اتخذ سلفادور الليندي هذا الصراط طريقة، ودافع عن (كرسي الرئاسة) - ما حصل عليه بالصندوق- ببندقية، في مواجهة الامبريالية وأداتها دبابة بينوشيت، ولم ينجح بالطبع في الحفاظ على الاستقلال الذي ناله بالديمقراطية، منذئذ وضحت العلاقة الشائكة فما بالك ما بعد العولمة وعصر الانترنت.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(كرسي الرئاسة) رواية كارلوس فوينتيس (1928-2012 م)، نقلها إلى العربية خالد الجبيلي، وصدرت عام 2009م عن «رؤية للدراسات والنشر والتوزيع» (القاهرة) و«دار كنعان» (دمشق).
ملاحظة: إن التاريخ الذي تصوره كارلوس فوينتيس، لأحداث روايته (كرسي الرئاسة) 2020م، سيكون العام المثال، لوضع تصورات في التنمية وتطور المجتمعات في العديد من البلدان، ومن ضمن هذه البلدان ليبيا، حيث قام مركز بحثي في عهد القذافي بوضع كتاب شارك فيه جمع من البحاثة عن (ليبيا 2020). لكن الفارق بين مخيلة الروائي وتصورات الباحثين، أن فوينتيس توقع الكارثة في هذا العام المنظور، فيما الباحث اعتقد أو أمل التنمية المستدامة.

ملاحظة أخرى لا يفوتنا التنويه بالجغرافيا وموقع فنزويلا كما قناة بنما، فإمبراطورية الولايات المتحدة تعتبر قارة أميركا اللاتينية الغرفة الخلفية لبيتها، وقد عاد فوكد الشرطي الإمبراطور ترامب على ذلك. وجاء في كتاب (انتقام الجغرافيا– ما الذي تخبرنا به الخرائط عن الصراعات المقبلة وعن الحرب ضد المصير- تأليف المراسل الصحفي بالشرق الأوسط، المفكر الأميركي روبرت. د. كابلان): «إن الجغرافيا المشتقة من كلمة يونانية، تعنى في الأساس (وصف الأرض)، ترتبط في كثير من الأحيان بالإيمان بالجبرية، وبالتالي فهي موصومة: فالتفكير جغرافياً يعني تقليص الخيارات البشرية).



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»