Atwasat

ثورات الكيف

منصور بوشناف الخميس 01 يناير 2026, 05:55 مساء
منصور بوشناف

ظلت الثورات أهم مظاهر التحولات التاريخية الكبرى، منها ما كان الناجح ومنها كان الفاشل، منها ما كان النبيل ومنها ما كان البشع المتوحش، ما كان الاقتصادي ومنها ما كان الديني العقدي ومنها ما كان أيضا الاجتماعي وحتى الفردي العابث.

كانت ثورات شعوب وطبقات وطوائف، كانت ثورات سياسة وثورات صناعة وثورات زراعة، كانت ثورات عبيد وثورات إقطاعيين وثورات بورجوازيين وعمال وفلاحين، ثورات علماء وثورات جهلة، ثورات طلاب وثورات عسكر، ثورات ملاحدة وثورات مؤمنين.

كانت مطالب الثورات غالبا العدل والحرية وكان منها أيضا ثورات للكيف ومن أجل المزاج والمتعة، هل تتخيلون أن ثورات حدثت ومات فيها أبطال ورموز ومناضلون من أجل الكيف والمتعة؟ كانوا حين ينتصرون يقولون لشعوبهم بالتأكيد «كيفناكم ومتعناكم».

التوباكو أو التبغ كان أهم نباتات الكيف التي منحتها القارة الأميركية بعد اكتشافها للعالم، انتشرت كالنار في الهشيم، وتحولت إلى زراعة وصناعة وتجارة، فقد حول الأوروبيون غابات القارة الأميركية إلى مزارع ضخمة لإنتاج التبغ، وبنو مصانع لتصنيع نبتة الكيف، ثم نشروا منتجهم السحري بين طبقات المجتمع العليا ليكون مظهرا من مظاهر المكانة الاجتماعية الراقية.

كانت نبتة التبغ في حضارات الهنود الحمر نبتة مقدسة، تحرق في الطقوس الدينية ويتصاعد دخانها جسرا إلى السماء للتواصل مع أرواح الأسلاف والآلهة والعودة إلى الأرض بالنبوءات وصور المستقبل والمصائر، وكان الغليون وهو يتنقل من فم لفم آخر في جلسات التفاوض ختما إلهيا للتصديق على اتفاق المتفاوضين عن الحرب والسلام والحدود والبيع والشراء، وكان تدخينها في البيوت للعلاج من التوتر وضغوط الحياة وحتى من بعض الأمراض كدواء الهي، لذا كان الهنود الحمر يزرعونها بشكل محدود وخاص، ليحولها الأوروبيون إلى زراعة وصناعة وتجارة إمبريالية تعزز هيمنتهم الاقتصادية على العالم، فبعد الخمر والدعارة تحول التبغ إلى سلعة للكيف والمتعة القاتلة.

كانت إيران قد صارت أحد مواقع زراعة وصناعة التبغ، وصارت تلك الزراعة أحد مصادر الدخل القومي وركنا هاما من أركان الاقتصاد الإيراني، وكانت بريطانيا قد بدأت تضع يدها على الجزء الأكبر من اقتصاد العالم وزراعة وصناعة التبغ في إيران وبالتحديد نهايات القرن التاسع عشر، أسالت لعاب الإنجليز، ليجري استقبال الشاه الإيراني «نصرالدين شاه القاجاري» في لندن وتوقيع عقد معه يمنح الإنجليز حقوق احتكار تجارة التبغ الإيراني، أي السيطرة على ما يقارب خُمس السكان اقتصاديا بشكل مباشر، كان ذلك ضربة قاتلة لطبقة التجار الوطنيين الإيرانيين وبالطبع لزراع التبغ، فبعد هذا الاتفاق لن يكون الإيرانيون إلا أقنانا في مزارعهم وبلادهم.

تشكَّل تحالف بين التجار ورجال الدين لمحاربة هذا البيع لتبغ البلاد للإنجليز وإسقاطه وصدرت الفتاوى بذلك، لتعلن الثورة ضد ذاك الشاه بعد تحريم هذا البيع، لتكون تلك الفتاوى «منفيستو» الثورة الذي حرك الشعب ضد الإنجليز والشاه.

رغم تراجع الشاه عن اتفاقه ذاك إلا أنه بسبب دفعه غرامات كبيرة للإنجليز تأزمت الأوضاع الاقتصادية في إيران وصدرت الفتاوى الدينية بفجور وخيانة الشاه للأمة والدين، وكان جمال الدين الأفغاني أحد المحرضين على تلك الفتاوى، ليقود رجال الدين الشيعة ثورة إيران الحديثة ضد «شاه القرن التاسع عشر» داعمين لتجار التبغ وزراع التبغ الوطنيين ضد هيمنة الإنجليز.

ثورة التبغ الإيرانية نهايات القرن التاسع عشر مهدت الطريق لوزير الدفاع «البهلوي» لإسقاط الشاه «القاجاري» وتأسيس ملك الأسرة «البهلوية» الذي أسقطته الثورة الإيرانية أيضا بقيادة رجال الدين.
التبغ أو التنباك أو نبتة الكيف، تحولت في مسيرتها وعبر قرون من نبتة مقدسة، تحرق ويستنشق دخانها للتواصل مع الآلهة والأسلاف وحلب النبوءات والقيم ورسم الخطط لمسير المؤمنين ورسم مصائرهم، إلى دواء للصداع وللتوتر والاكتئاب ثم لمتعة ومظهر ترف، ثم لمصدر رزق لزراع وتجار، لملايين من الناس العاملين من أجل توفير الكيف، وصنعت أيضا ثورات وثوارا، ظلوا يخطبون في شعوبهم «متعناكم، كيفناكم» من فوق المنابر ومن وراء الميكرفونات وأمام الكاميرات وحتى من عتمات الغرز».

كان بإمكان السلعة أن تصنع «شاها» وأن تسقط «شاها»، ليس في كل البلدان والأمم ولكنها تفعل في غالب الأحوال والأمم، وكانت نبتة الكيف نبتة ليست للتراخي ولا للأوهام، بل تحولت إلى سلعة قادرة على صناعة ثورات.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»