Atwasat

العرب ومصباح علاء الدين

عمر الكدي الإثنين 08 ديسمبر 2025, 01:26 مساء
عمر الكدي

ثمة تشابه بين وضع العرب اليوم أو ربما منذ ألف عام، والمارد المسجون في المصباح السحري، الذي بدوره سجن في المصباح منذ ألف سنة. لا يستطيع المارد الخروج من سجنه من داخل المصباح، وكذلك لا يستطيع العرب الخروج من مأزقهم من داخل ثقافتهم. لا بد أن تمتد يد من خارج المصباح لتحكه حتى يخرج المارد، وهذا أيضا ما يحتاجه العرب.

فالمؤلف المجهول لحكايات ألف ليلة وليلة لم يقصد أن يختار المصباح باعتباره أداة إنارة، وفي كل القصة لم يستخدم المصباح للإنارة. على الأرجح اختار المؤلف المصباح، لأن به تجويفاً يتسع للمارد بعد أن يصبح قزماً، وبه فتحة يخرج منها المارد على هيئة بخار ليتجسد بحجمه الكامل.

لا يحتاج العرب إلى مارد يخرج من ذلك المصباح لأنهم هم المارد المسجون الذي تحول إلى قزم. هم في حاجة إلى إنارة المصباح لينيروا تراثهم ويحذفوا منه كل ما أصبح غير صالح بعد ألف سنة، ولا يحتاجون إلا كمية قليلة من الزيت وفتيل، وعندها يستطيعون تلمس طريقهم وسط هذا الظلام، فهم تعودوا الرؤية في الظلام ولكن الرؤية فقط داخل المصباح وليس خارجه.

ثروة العرب اليوم تشبه الثروة التي يجدها علاء الدين داخل الكهف. كنز حقيقي يتكون من المجوهرات والأحجار الكريمة من كل شكل ولون، وثروتهم اليوم هي النفط والغاز، ولكن وفقا للحكاية فإن أثمن ما في الكهف ليس الكنز؛ وإنما ذلك المصباح القديم المهمل المصنوع من النحاس وليس الذهب، وثروة العرب الحقيقية مثل أي أمة أخرى ليست النفط والغاز أو الموارد الأولية على أهميتها، ولكن الثروة الحقيقية هي الإنسان مهما يبدو اليوم بائساً ومتخلفاً وجاهلاً، إلا أنه مثل المصباح إذا أعيد تكوينه بشكل صحيح يخرج من داخله المارد المقزم.

الذي اكتشف وجود الكنز في الكهف ليس علاء الدين وإنما عمه الجشع الأناني، وهذا ما حدث مع نفط العرب وغازهم، فالذي اكتشفه هو الاستعمار الغربي بكل جشعه وأنانيته، ولكن هناك مخاطرة قد تكون قاتلة للدخول إلى الكهف أو المغارة، ولهذا يستعين العم بعلاء الدين، الذي ما إن يدخل إلى الكهف حتى يقفل، فيحاول عمه فتح الكهف من الخارج وعندما يفشل يترك علاء الدين لمصيره، وهو الموت جوعا وعطشا داخل الكهف، فليس في الكهف ما يجعله يستمر على قيد الحياة إلا إذا نجح في الخروج من الكهف ومعه هذه الثروة.

لا يسمح المارد إلا بتحقيق ثلاث أمنيات، وكانت أمنية علاء الدين الأولى الخروج من الكهف، أي الحرية والاستقلال، والأمنية الثانية أن يتزوج من الأميرة ابنة الملك، والأمنية الثالثة أن يبني للأميرة قصراً يشبه قصر أبيها، أي تكوين كيان والتقدم والازدهار، ويحقق المارد أمنيات علاء الدين الثلاث، بينما لم يحقق العرب إلا الأمنية الأولى، على الرغم من أن بعضهم لا يزال محتلا ويتعرض إلى الإبادة.

منذ ألف سنة كان الناس العاديون يتمنون تحقيق ثلاث أمنيات، وهي الجنة والستر وحسن الختام، وفي العصر الحديث خرج مارد ليس من المصباح وإنما من ثكنات الجيش، وسعى لتحقيق ثلاث أمنيات وهي «حرية اشتراكية وحدة»، أو «وحدة حرية اشتراكية»، بينما اكتفى الحزب الشيوعي العراقي بأمنيتين «وطن حر وشعب سعيد».

ربما بسبب شعار الحزب وعليه المنجل والمطرقة، وحتى انتفاضات الربيع العربي رفعت ثلاث أمنيات، وهي «خبز حرية كرامة وطنية» في تونس، أما في مصر فرفع المتظاهرون شعار «عيش حرية عدالة اجتماعية»، واكتفى الليبيون بالتكبير، بينما هتف السوريون «ما لنا غيرك يا الله». الأحزاب الإسلامية اكتفت بأمنيتين «العدالة والبناء»، أو «العدالة والتنمية»، أو «العدل والإحسان»، وخبأوا الأمنية الثالثة وهي «التمكين» بعد الوصول إلى السلطة.

لا ندري من كتب ألف ليلة وليلة، منذ انطلاقها من الهند إلى بلاد فارس ثم بغداد لتأخذ شكلها النهائي في القاهرة، أي أن شعوبا كثيرة وثقافات عديدة ساهمت في هذه الحكايات، فالحكايات العربية حكايات أفقية ومسطحة مثل مقامات الحريري والهمذاني، بينما في ألف ليلة وليلة تتوالد الحكايات وتتداخل. هي أشبه بمكعبات كبيرة تخفي داخلها مكعبات أصغر، أما الكتب مجهولة المؤلف أو الكتب المفقودة فظاهرة غريبة في الثقافة العربية، حتى إنه يمكن القول إن العرب توصلوا إلى مقولة «موت المؤلف» قبل رولان بارت بعدة قرون، فالعرب لا يعرفون مؤلفي «رسائل إخوان الصفاء» وإن ذكر أبوحيان التوحيدي أربعة منهم، وأبوحيان نفسه لم تصلنا إلا القليل من كتبه.

فقد أحرق معظم كتبه قبل وفاته، مثلما أحرقت جميع كتب ابن رشد في قرطبة، ولم يصلنا من كتبه إلا الكتب التي ترجمت إلى اللاتينية، وبعد ابن رشد أحرق الكاثوليك الأسبان جميع الكتب والمخطوطات في مكتبة قرطبة، مثلما أحرق المغول مكتبة بيت الحكمة في بغداد، ومثلما أحرق يوليوس قيصر مكتبة الإسكندرية، ومثلما أحرق صلاح الدين الأيوبي مكتبة بيت الحكمة في القاهرة باعتبارها كتب الفاطميين، ومثلما أحرقت اللجان الثورية الكتب فيما عرف بالثورة الثقافية، وربما لهذا السبب خرج مارد علاء الدين من سجنه بعد ألف سنة، بينما لا يزال العرب داخل مصباح قديم لم يعد يستعمله أحد منذ أن اخترع توماس إديسون المصباح الكهربائي.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»