Atwasat

النيهوم مترجماً (2)

سالم الكبتي الأربعاء 03 ديسمبر 2025, 01:23 مساء
سالم الكبتي

(التجربة ليست أصل الكلمة الدقيقة)
الصادق النيهوم

والواقع أن تلك الترجمات التي وصلت إلينا كان لها تأثير جلي في ذلك الجيل الذي كان يملك شوقاً عارماً للقراءة والانفتاح على الثقافات المختلفة. ربما لم تساعده الظروف المادية المناسبة بالقدر الكافي غير أنه وهو الجيل الطالع من الرماد وجد بوضوح ضالته عن طريق الاستعارة المستمرة من المراكز الثقافية أو مكتبات المدارس والأصدقاء.

كانت القراءة زاداً لجيل أسس ثقافته ومعرفته من خلال هذه المصادر المتنوعة التي وجهه إليها المعلمون في المدارس والمعاهد والأساتذة الكبار في الجامعة منذ تأسيسها في بنغازي العام 1955. نشأ هنا جيل يقرأ. يكتشف الكلمة. يعرف أبعادها. يرتبط في الليل والنهار بتلك المؤلفات المترجمة وبواسطتها أصبح على الدوام يتابع قضايا الفكر وموضوعات الثقافة والفلسفة والإبداع الفني بكل أنواعه.

شهدت سهرات الأصدقاء متابعات نقدية لتلك القراءات وثمة استفادات شرعت في الظهور وألقت بظلالها في صدور المتلقين. تكون جيل من القراء يلوذ بالكتاب ويتعاطف معه على الدوام. ويذكر محمد فريد أبوحديد في مذكراته عن أيامه في بنغازي مستشاراً فنياً للجامعة الليبية العام 1957 أنه.. (دهش حين رأى بائع السجائر المتنقل على عربته يقرأ إلى جانب تلك العربة في ناحية الرصيف وكان الكتاب الذي في يده كتاب صلاح الدين الأيوبي من تأليف أبوحديد. كما يشير إلى الشبان الذين نالوا قسطاً من التعليم ثم انخرطوا في سلك الوظائف الصغيرة.. كانوا حريصين على القراءة ويعجب الإنسان لمقدار اطلاعهم على ما نشر من مؤلفات في البلاد العربية وهم يعرفون أسماء الكتاب والشعراء في مصر وسوريا ولبنان والعراق ويتابعون ما ينشر من النقد لهؤلاء الأدباء وهم ينقسمون إلى آراء شتى في تقديرهم للإنتاج الأدبي ويعبرون عن آرائهم في حماسة ظاهرة تدل على مقدار اقتناعهم بما يقولون وسعة اطلاعهم على ما يكتب سواء في الصحف والمجلات أو الكتب..).
تلك شهادة مباشرة عن واقع ساد تلك الأعوام ولوحظ من رواد كبار حضروا إلى ليبيا وأسهموا في نهوضها العلمي والثقافي.

ببساطة كان السائد المحلي هكذا. الحراك الثقافي يبرز بنموه وتفاعله. ظل يبرق مثل الضوء في عتمة الليل وفقا لما يتاح أن يصل. والقراء من الجيل لا ينقطعون عن تنمية قدراتهم ومواهبهم في دراستهم الصباحية أو مدارس التطوع الليلية. تشدهم المصادر المتدفقة من الجوار ويتزايد مع هذا كله الشوق للمعرفة. فارق واضح بين ما سبق وما لحق. قراء يتطلعون بأبصار مفتوحة نحو وهج الشمس نحو المزيد. جيل يحب القراءة وتشكل لديه إحساس ووعي مطلوبين لحياة رائعة.

النيهوم خلال أعوام الخمسينيات في مرحلة الثانوية ثم في بداية الستينيات عبر الجامعة الليبية افتتن كثيراً بهمنجواي القاص الأميركي الشهير وبسيرته وتجاربه ومغامراته وبصورته التي تبرز لحيته الكثة وفانيلته الصوفية الملتفة حول رقبته. ونيله جائزة نوبل في الأدب العام 1954 بعد إنجازه لروايته الشيخ والبحر. تركت تأثيرا في نفس النيهوم وستجد بعض الصدى في روايته من مكة إلى هنا. البحر في شواطئ كوبا والبحر في سوسة والأبعاد الإنسانية خلالهما وصراع الإنسان الذي لا يهزم رغم محاولات التدمير. فلسفة همنجواي وكذا النيهوم. ظل الإنسان محور الفكرة والكلمة والتفاصيل لديهما. الإنسان هو كل شيء. روحه ونضاله وتصديه للشرور وأثره الذي يتركه بعد الرحيل. الكلمة تبقى أقوى من أي شيء آخر.

كان إعجاب النيهوم بهمنجواي لا يحد. معاصروه من زملائه رفاق الدراسة الثانوية والجامعية أو الجوار في حي سوق الحشيش يذكرون أنه كان يسرد لهم إعجابه وتأثره بالروائي الأميركي.. رحلاته ومغامراته واقترابه من الحروب في إيطاليا وإسبانيا. كان يحكي كما يقولون عن همنجواي كما لو أنه صديقه الحميم أو أحد أقاربه. استهوه همنجواي تماما وقارب أن يحفظ كلماته وعباراته كما وردت في صفحات أعماله. كان يتذكر أرقام الصفحات وموقع تلك الكلمات خلالها. والواقع أيضا يؤكد أن هذا الهمنجواي العجيب لم يؤثر في النيهوم لوحده؛ بل ترك صداه في جيل كامل خرج بعد الحرب في أوروبا والعالم العربي.

ظل همنجواي متفردا وسيد الموقف ورائدا يتقدم الصفوف. وكما أشرت سابقاً فإن منير البعلبكي كان رائداً في الوقت ذاته مع آخرين في ترجمة أعمال همنجواي وأضاف إليها من لمساته العديد من الجوانب الممتازة. تفرد البلعبكي.. وهو المترجم المهم بلغة راقية وأسلوب امتاز به لوحده عن كثير من المترجمين لدرجة تحسبه فيها أنه مبدع العمل وصاحبه. وتلك روعة روح الترجمة البعيدة عن المساوئ. جعل من الترجمة فناً أدبياً خالصاً. همنجواي كان ينقل الفكرة ويغطي صورها بأقل عدد ممكن من الكلمات. يبتعد عن الحشو والركاكة المملة والثرثرة ولا تستغرقه التفاصيل التي تدعو للسأم. فيما ظل البلعبكي المترجم الأمين والدقيق والناقل لروح الكلمة دون أخطاء أو عثرات فيما كان النيهوم يتابع هذه الترجمات ولم يقرأها في بنغازي عبر لغتها الأصلية. كانت موجودة في المركز الثقافي الأميركي على سبيل المثال أو في مكتبة الجربي التي تبيع الكتب والصحف الأجنبية باللغتين الإنجليزية والفرنسية. وذلك جعل من النيهوم في مرحلة تالية ستفيد حياته الأدبية والثقافية يتواصل مع الأعمال المذكورة لهمنجواي وغيره في لغاتها الأصلية. زادت حصيلته وتجربته وأفادته في موهبته وهنا ربما اختلف في هذا الجانب عن كثيرين لم تتح لهم الفرصة في الإقامة بالخارج. وخلال جانب مقابل برز في جيل النيهوم الكثيرون ممن تميزوا أيضاً بالاستفادة من مصادر الثقافة وبرعوا في التواصل معها بلغتها في الأساس ومثالا على ذلك (وليس حصرا) يلوح هنا.. محمد حسين القزيري ومحمد العقيلي وحسين مخلوف وأسعد المسعودي ومحمد عبدالكريم الوافي وشعيب المنصوري وصالح جبريل...... وغيرهم.

في أواخر العام 1961 بعد تخرجه في قسم اللغة العربية اختير النيهوم معيداً بكلية الآداب. أرسل للدراسة العليا في ألمانيا. في تخصص يتعلق بفقه اللغة العربية وهناك في معهد جوته اقترب ولامس كثيراً من المؤلفات المهمة وفقاً لمصادرها وعبر نتاج المستشرقين ولوحظ عليه استفادته من تعلم اللغتين الألمانية والإنجليزية. ومن ألمانيا موقع الدراسة العليا الأول كانت رسائله تتدفق إلى العائلة والأصدقاء وكان أغلبها يحمل أشعاراً وأغاني وحكايات أدبية قام بترجمتها وإرسالها مع مضامين تلك الرسائل القادمة من البعيد.. كانت السطور في الرسائل خطوة أخرى لترجمات النيهوم اللاحقة وعلى مستوى اجتاز المكاتبات لتشمل العديد من القراء في جريدة الحقيقة.

وفي الحادي والعشرين من ديسمبر 1963. كانت ثمة نقطة انطلاق نحو الترجمة لشاعر يكره الموت. وصفه النيهوم بأنه شاعر كله شؤم. أول ترجمة منه لأبيات له خاتمتها..
(كل السنين ستهب وتنقصني. بخطى بطيئة ناعمة
ولكن اعرف..
أن لحمي سيؤول إلى رماد وطين
ولكنني سأظل هنا بطريقة ما.. على نحو ما)
.. وظل النيهوم يترجم ويواصل الحياة!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»