Atwasat

ثقب ابن خلدون الأسود

عمر الكدي الإثنين 03 نوفمبر 2025, 09:08 مساء
عمر الكدي

أشكر الصديق الشاعر والكاتب سالم العوكلي على تعقيبه على مقالي «نخلة التحدي»، المنشور في بوابة الوسط الأسبوع الماضي، عندما أعدت نشره على صفحتي على موقع فيسبوك، لأن تعقيبه يضيف الكثير إلى مقالي، ويعمق النقاش حول موضوع خلافي أثار ويثير وسيثير الكثير من الجدل، ففي هذه السلسلة من مقالاتي أفكر بصوت مسموع، وأسعى لإثارة النقاش وليس احتكار الحقيقة المطلقة. يقول العوكلي في تعليقه «لو قدر لابن خلدون- الذي يبدو لديه مشكلة شخصية مع القبائل البدوية- أن يقرأ تاريخ إسكندنافيا كيف نشأت وقبائل الفايكنج المترحلة المحاربة لما فكر في هذه المسلمة القاتلة لجوهر التاريخ وقانون الحركة ومفهوم الحضارة والترقي، لأن البداوة ليست قدرا ولا جينة ولا مذهبا عقائديا ولا أيديولوجيا، وهي طريقة حياة وطور حضاري قابل للتقدم حين يجد الظروف الملائمة، والأصل في البشرية هو البداوة»، ثم يسرد تطور قبائل الفايكنج من البداوة إلى التحضر في إسكندنافيا وإنجلترا وأيسلندا وأيرلندا وغيرها، وخلال قرنين تحولوا من الوثنية إلى المسيحية واستقروا في الأراضي التي سيطروا عليها، ويؤكد أن تحولهم إلى المسيحية شكل نقلة حضارية مهمة أفضت إلى ما هم عليه الآن حيث تحوز دولهم على المراتب الأولى في كل المؤشرات القيمية الدولية، وهو ما حدث مع القبائل العربية عندما تحولت إلى الإسلام وأسست إمبراطورية تمتد من آسيا الوسطى إلى إسبانيا، ويختم تعليقه بأن الدول المدينية مثل العراق وسوريا ولبنان وصلت إلى طريق مسدود، بينما الدول التي أسسها البدو مثل دول الخليج حققت تنمية متصاعدة ومستقرة.

وأستهل ردي بأن لابن خلدون فعلا مشكلة مع القبائل البدوية، فقد أزاحوه من منصب الوزير الأول عدة مرات، وكان سفير حكام تونس وبجاية وتلمسان والمرينيين في المغرب مع القبائل البدوية، فعرف هذه القبائل عن قرب ودرسها دراسة وافية، بل إنه عندما كان مقيما في مصر سعى بنفسه لدراسة موجة بدوية أخرى قادمة من صحراء غوبي، وقابل تيمورلنك عندما طلب منه سكان دمشق التوسط بينهم وبين الغزاة المغول عام 1401م، وطلب تيمورلنك منه كتابة تقرير عن جغرافيا بلاد المغرب فكتبه ابن خلدون ليحصل على الأمان للعودة إلى مصر، ففي طريقه إلى دمشق هاجم قطاع الطرق من البدو قافلته وسلبوا منه كل شيء حتى ملابسه.

ذات مرة في أحد مقالاتي تساءلت: هل ابن خلدون عبقري بشكل لا نظير له، لتبقى نظريته صالحة لتفسير الواقع العربي من القرن الخامس عشر حتى الآن أم أن هذا الواقع لم يتغير في جوهره وإن تغير في سطحه؟ لست أملك جوابا عن هذا السؤال، ولكني لاحظت كما جاء في مقالي الأسبق «المدينة الأمة والكتابة»، أن الإسلام حقق ثلاث نقلات حضارية جوهرية، ولكن النظام المغلق «البدوي» سرعان ما ابتلعها مثل الثقب الأسود وفرغها من معناها، ليس فقط من خلال الانقلاب الأموي أي الانقلاب على إسلام القرآن لصالح إسلام الحديث، بل منذ اجتماع المسلمين في سقيفة بني ساعدة قبل دفن جثمان النبي، فبدلا من الأمة عادت القبيلة أقوى مما كانت عليه، وبدلا من المدينة سادت قيم القرية وهم في قلب المدينة، وبدلا من الكتابة عادت التقاليد الشفوية لتصيغ إسلام الحديث.

يشير العوكلي إلى أن الفايكنج انتقلوا نقلة حضارية بمجرد اعتناقهم للمسيحية، وقد يكون هذا صحيحا على صعيد التقليل من توحشهم، فعندما نطالع ما كتبه ابن حوقل عن الفايكنج في كتابه «المسالك والممالك» في القرن الرابع الهجري، وخاصة رحلته إلى بلاد الخزر والبلغار والصقالبة، لا نصدق أن الذين قابلهم ابن حوقل هم أجداد هؤلاء الإسكندنافيين، ولكن الكنيسة المسيحية هي التي وقفت عائقا دون تقدم الأوروبيين، وربما هذا هو الثقب الأسود الذي أشار إليه ابن خلدون دون أن يذكره، فطريقتنا في التدين عكس ما كانت تقصده رسالة الإسلام، أي أن الثقب الأسود للنظام المغلق تمكن من ابتلاع جوهر الإسلام وترك القشور، وربما هذا يفسر فشل العرب في النهوض بالرغم من تغيير الشعارات والأيديولوجيات، فجميعها تنتهي في ذلك الثقب الأسود، عندما تتحول الأنظمة «التقدمية» إلى أنظمة عشائرية وقبلية وطائفية وعائلية.

المقارنة مع الفايكنج تحتاج إلى دراسة، فقد مارسوا التجارة البحرية وليس تجارة القوافل الصحراوية. التجارة البحرية تمنح لممارسيها تنوعا أكثر، وتمكن الأندلسيون من هزيمة الفايكنج عندما غزوا إشبيلية عام 844 عبر النهر الكبير، واستقر بعض الفايكنج في إشبيلة، حيث اعتنقوا الإسلام وتعلموا الزراعة، وهم أول من صنع نوعا من الأجبان يعرف بالجبن الإشبيلي، ولكن دراسة الموجات البدوية القادمة من صحارى آسيا أجدى، فالمغول أسسوا إمبراطوية مساحتها أكبر من إمبراطورية المسلمين، ولكنهم اليوم يعيشون في جمهورية منغوليا كما عاش أسلافهم، فنحو 40% من سكان منغوليا اليوم من البدو الرحل، ولا يوجد في منغوليا إلا مدينة واحدة وهي العاصمة، وبعد انهيار الحكم الشيوعي عاد الناس إلى تمجيد جنكيز خان الذي كان محظورا طوال الحكم الشيوعي.

يشير العوكلي إلى التقدم الذي حققته دول الخليج بالرغم من بداوتها، مقارنة مع دول المركز مصر العراق والشام، ولكن علينا ألا نسبق الأحداث، فما حققه محمد بن سلمان خلال عشر سنوات، لم نتخيل أنه سيحدث حتى بعد مائة سنة، ولكن هذه دول ريعية تعتمد على تصدير النفط والغاز وليس من خلال أنماط إنتاج وعلاقات إنتاج متنوعة، وما نراه من نهضة قد تشبه تلك النهضة التي حدثت في زمن المأمون العباسي، عندما كان يعطي ثمن الكتاب المترجم وزنه ذهبا، ولكن عندما وصل إلى السلطة المتوكل والواثق ظهر الثقب الأسود مرة أخرى وابتلع كل شيء، وستستمر دول الخليج في تنميتها وازدهارها إلى أن تطالب الشعوب بحصة في السلطة، أو أن تتحول إلى ممالك دستورية وعندها في تقديري سيظهر الثقب الأسود مرة أخرى ليبتلع كل هذه الأبراج، ولهذا أعول على المغرب أكثر من دول الخليج في تحقيق نقلة نوعية أو انقطاع معرفي، وكان من الممكن أن تتطور ليبيا بنفس الطريقة لو استمر الحكم الملكي، ولكن لماذا ظهر حاكم مثل القذافي بنمطه البدوي الفاقع في ليبيا دون جيرانها؟ وماذا استفاد جيران ليبيا من ليبراليتهم العابرة، ومن المدني الوحيد الذي أسس تونس الحديثة؟ وهل الصراع في هذه الدول هو حقا صراع بين يسار مستنير ويمين أصولي منغلق أم هو صراع بين البدوي والحضري والذي لم يحسم حتى الآن؟

أتمنى أن نتجاوز ثقب ابن خلدون الأسود، ففي أوروبا تلاشت نبوءات ماركس خلال قرن واحد، بينما نبوءات ابن خلدون لا تزال تعمل بفعالية في مجتمعاتنا، ومن الصعب معرفة أسباب هذا التناقض في مقال ولا في كتاب، إنه عمل مضنٍ يحتاج إلى جهد أكثر من جيل، ولكن علينا أن نبدأ بخطوات قصيرة ولكنها ثابتة، مثلا أن تتفرغ جامعاتنا، وخاصة جامعة درنة والبيضاء، لدراسة أسباب تراجع مدينة درنة، من المدينة الأكثر ليبرالية في الستينيات، إلى المدينة التي صدرت أكبر عدد من الجهاديين، والمدينة التي وجد فيها تنظيم داعش حاضنة طبيعية، فمثل هذه الدراسات الميدانية إذا كانت جادة تقربنا من فهم ظاهرة ثقب ابن خلدون الأسود.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»