Atwasat

«وما رميت إذ رميت»

أمين مازن الأحد 26 أكتوبر 2025, 05:06 مساء
أمين مازن

يحقق لي ركوب سيارة الأجرة ذات الخمسة عشر مقعدا حين أنجحُ في التخفِّي عن أحد الابنين أو الجار، فأحلُّ بين الركاب وأقف من ثم على عينة بشرية عشوائية، قد تفيد من يبحث عن حياة الأغلبية من سكان المدينة والمتمثلة بالضرورة لما لا يقل عن ثلث مجموع السكان، فتراني أحاول أن أجمع بداخلها في أكثر الأحيان بين الاستماع لما يقال والسؤال عما يمكن السؤال عنه، كما حدث معي ضحى الخامس عشر من أكتوبر، عندما وجدت العينة تتكون من خليطٍ واضح التنوع، يتقدمهم شاغل المقعد الأمامي والذي يفترض أن يتسع لاثنين ما لم يسدد الجالس أجرة راكبين وهو ما لم يفعله صاحبنا عندما نزل بإحدى النواصي التي طلب الوقوف أمامها فلم يزد عن اثنين من الدنانير على الرغم مما كان يظهر عليه من يسر الحال وجمال المظهر الذي زاده طول الذقن المُشذَّب والذي لم يلفت نظره شكوى ذلك المواطن معتل الصحة كما يظهر وهو يجاهر بشكواه من تقاعس التضامن في تسديد مرتبه منذ الشهر الخامس، والحجة كما جاء في حديثه مطالبته بتقديم مستندات جديدة قيل له اقتضتها شروط التدقيق، مما اعتبره في عداد المعاذير المختلفة معلنا عزمه على التحمل وثقته من أن نصيبه لن يتوقف جراء هذا التقاعس غير المبرر، فيما كانت شريكته في الحديث امرأة قضت حياتها في التعليم، ولم تعد تتقاضى سوى التسعمائة دينار التي سوَّت أمثالها في المرتبات عندما أُعلِنت على هيئة مِنَّةٍ من المِنَنِ، وكثيرا ما تذكر وسائل الإعلام كريم التوجيه بصرف ما يطلق عليه مُنحة الزوجة والأبناء وليس علاوة العائلة التي تقررت من العهد الملكي، وسويت قيمتها بين النساء والأطفال ما دون الثامنة عشرة دونما تفريق بين امرأة وأخرى أو طفلٍ وآخر، تماما مثلما صُرِفَت في العام الثامن والستين علاوة السكن للجميع، ووضع حد للإيجار الذي كثيرا ما نعم به البعض وحُرِمَ منه البعض الآخر.

لقد كنت في الحقيقة وأنا أستمع لهذه الأحاديث بصدد طلب الوقوف أمام بوابة معرض طرابلس الدولي حيث تقام الدورة الثانية لمعرض الكتاب بعد أن اضطلعت بتنظيمه إحدى الجهات القانونية وتغذّرَ عليَّ تلبية الدعوة الموجهة لي والحديث باسم الأدباء كما حدث منذ سنة مضت، لولا هذه الأحاديث التي يقف عليها كل من يحرص على الاقتراب من هذه العينات، فاستبعدت فكرة التواصل وتوضيح أي لبس في الخصوص لأن ما يحتاجه شعبنا البائس من رجال القانون ليس أصحاب المكتبات ومن في حكمهم، وإنما المنتظر منهم حقا هو الذود عن قوانين الحكم المحلي ومراجعة عدد البلديات والتضخم الإداري المخجل المترتب على افتعال التمثيل الدبلوماسي ومؤسسات النشر والهيئات، حتى إن العالم يكاد يقتنع بأننا دون مستوى التمتع بالسيادة، فوجدتني أقتنع بأن عدم حضوري مراسم افتتاح دورة المعرض هو أقل ما يمكن أن يقوم به كل من يحمل قلما يزعم لنفسه الانحياز الدائم للوطن وقضاياه، ومناوأة كل العابثين به، فإن قيل إن ما سردناه محض صدفة، كان في النص الكريم أبلغ رد «وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَى».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»