لا يكاد يمر يومٌ دون أن نقرأ أو نسمع عن قضية أبطالها قد مارسوا الفساد ونهبوا أو أضاعوا -بشكل أو آخر- الأموال العامة. وكثرة الحديث عن الفساد في وسائل الإعلام تجعله يبدو وكأنه قدر محتوم، حتى راج لدى العديد من الناس أن ثقافتنا تروج للفساد، أو أنه قد أصبح ظاهرة مزدهرة في بلادنا.
يتناول هذا المقال هذه الظاهرة ويسأل: هل حقاً هو نتاج ثقافتنا أم أنه مرتبط بسياسات وسلوكيات ونظم إدارية وقانونية، قابلة للإصلاح؟ لكن دعونا أولاً نؤكد أن الفساد، كظاهرة، هو أخطر ما يواجه المجتمعات. فهو يهدر مواردها، وينحرف بسلوكيات أفراده، ويمزق نسيجه. بل لعلنا لا نبالغ في تشبيهنا له بأخطر الأوبئة.
ما هي أسبابه إذن؟
• الطمع وضعف التكوين الأخلاقي لدى الفرد: فالأسر -على سبيل المثال- التي تنشئ أفرادها على أهمية الحصول على المكاسب دونما مراعاة لمصدرها وطرق الحصول عليها (ولو كان ذلك عبر النجاح بالغش في امتحانات المدرسة)، إنما تقوم بإعداد «مشروع فاسد» مستقبلي.
• ضعف الوازع الديني والانتماء الوطني: مما يفصل الفرد عن مجتمعه، ويجعله في حلٍّ من أي ارتباط بمصير الآخرين، فلا يهمه ما يحدث لهم.
• التطبيع الاجتماعي مع الانحراف: عبر انتشار مبررات واهية، مثل: «اللي تكسب بيه العب بيه، وكلها تسرق، وهم يسرقوا فينا خلينا نسرقوهم»، مما يشجع على التطبيع مع الانحراف.
• التغاضي عن الجرائم إن كان مرتكبها ابن العشيرة أو القبيلة أو المدينة، تحت شعار «صايعنا خير من صايعهم»، مما يكرس الإفلات.
• قصور المنظومة الرقابية والقانونية: ويتمثل ذلك في ضعف الأجهزة الرقابية، وتأخر البت في القضايا، وغياب العقوبات الرادعة.
• غياب تكافؤ الفرص: وانعدام المعايير الموضوعية في التعيين الوظيفي، والترقيات، والامتيازات (كالإيفاد أو العمل في السفارات والهيئات الدولية)، وإحلال المحسوبية محل الكفاءة.
هل الفساد ثقافة؟
يُطرح سؤال «هل الفساد ثقافة؟» كثيرًا في النقاشات العامة والسياسية، ورغم أن الإجابة ليست بسيطة، فإنه يمكننا القول بيقين إن الفساد ليس ثقافة بالمعنى الجوهري للكلمة (أي هوية ثقافية أو دينًا أو تراثًا)، بل هو ظاهرة تتجاوز الثقافات وتُدان في معظم المجتمعات.
فالثقافة، بالمعنى الأنثروبولوجي، هي منظومة القيم والمعتقدات والفنون واللغة التي تنتقل بين الأجيال لتشكل هوية المجتمع الإيجابية (كالكرم، والشجاعة، والتدين، والتضامن الأسري). أما الفساد (من رشوة، ومحسوبية، وابتزاز)، فهو سلوك نفعي أناني يناقض هذه القيم في جوهرها. وبما أن جميع الأديان السماوية والأخلاقيات الإنسانية تجرمه، فهو دخيل على الجوهر الثقافي الأصيل، وليس جزءًا منه.
لكن، عندما يتجذر الفساد في المؤسسات، فإنه يخلق «ثقافة إفلات» غير مكتوبة، يضطر المواطن بموجبها إلى التعامل مع الفساد كـ«قاعدة للعبة» تضمن له البقاء أو النجاح. هنا فقط يتحول إلى نمط حياة مكتسب يمكن وصفه مجازًا بـ«ثقافة الفساد»، ولكنه يظل مرضًا اجتماعيًا طارئًا، وليس ثقافة أصيلة.
الفساد كذريعة مقابل الفساد كسبب
أكبر خطأ هو استخدام «الثقافة» كذريعة لتبرير الفساد (عبر مقولات انهزامية، مثل: «كلنا هكذا» أو «هذه طبيعتنا»). فالإحصاءات والأدلة التاريخية تدحض ذلك؛ فالدول لا تولد فاسدة، بل تصبح كذلك بسبب ضعف المؤسسات، وغياب الشفافية، وهشاشة القضاء، وتردي الأجور، وغياب العقاب الرادع. والدليل أن المجتمعات نفسها تتغير عند تغير أنظمتها؛ فسنغافورة كانت تعاني من ممارسات فاسدة في منتصف القرن العشرين، لكن تغيير القوانين والرقابة قلب المعادلة، وأصبحت نموذجًا في النزاهة، رغم بقاء ثقافتها الأصلية كما هي.
هل يمكن أن تكون الثقافة الأصلية حلاً؟
نعم. فالمجتمعات التي تملك تراثًا أخلاقيًا قويًا كالدين الذي يحرم الرشوة، والعرف الذي يقدس «أمانة» المنصب، تملك «لقاحًا» طبيعيًا ضد الفساد. وتفشي الفساد يعني غالبًا فشل هذه المنظومة الأخلاقية في مواجهة إغراءات السلطة والمال، وليس دليلًا على فساد الثقافة.
الخلاصة:
الفساد ليس ثقافة، بل هو انهيار في الضوابط المؤسسية يُلبس ثوب العادة حتى يصبح مألوفًا. ومحاربته لا تكون بتغيير «هوية» الشعب، بل بتغيير قواعد اللعبة المؤسسية (القوانين، والرقابة، والمحاسبة)، واستعادة دور القيم الأصيلة الرافضة للظلم. فالفساد سلوك مكتسب، وما يُكتسب يمكن أن يُفقد.
وفي الجزء الثاني، وبعد أن تأكدنا أن الفساد ليس قدرًا محتومًا، سنستعرض نماذج ملهمة استطاعت، بإرادة سياسية وإصلاحات عميقة، تقليص الفساد وزرع النزاهة، لنرى كيف يمكن للقيم الأصيلة أن تنتصر حين تُساندها مؤسسات عادلة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات