منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها قدماي أرصفة القاهرة العتيقة، وجدت نفسي أمام لغز حضري يتجاوز المكان: أسماء الناس. كانت أسماؤهم تشبه مباني المدينة؛ بعضها واضح كواجهة مضيئة، وبعضها يخفي بين طياته أسرار قرون. لكن ما أثار دهشتي هو أن يحمل القاهري اسمًا عاريًا من أي لقب عائلي أو قبلي، كشجرة بلا جذور مرئية، أو كنهر لا يُعرف منبعه.
في تلك اللحظة، لم أعد سوى صدى لصوت ذلك الصعيدي في الأفلام المصرية، حاملاً نفس حيرته، حيرة إنسان قادم من عالم «الهوية الموروثة» إلى عالم «الهوية المُكتسبة»، رافعًا نفس السؤال الوجودي: «أنت ابن مين في مصر؟» ... !!!
سؤال يختزل في طياته صراعًا كامنًا بين عالمين: عالم تُورَث فيه الهوية كما تُورَث الأرض، محددة سلفًا كالقدر. وعالم تُصنع فيه الهوية يوميًا، كرغيف ساخن، تخبزه الأيام في فرن الشارع، وتشكله معارك البقاء. إنه سؤال يكشف هوة بين عالم يبني ذاته على اللقب العائلي، وآخر ينحت كينونته بالتجربة والاختيار.
المدينة، في جوهرها، ليست مجرد تجمع عمراني، بل فضاء اجتماعي يعيد تعريف الإنسان. إنها كيان حي، يتجاوز الجغرافيا ليصبح منظومة من العلاقات، الخدمات، والاختيارات. في المدينة، لا تُورث الهوية كما تُورث الأرض، بل تُكتسب يومًا بيوم، في زحام الشارع وصراع البقاء.
في المدن الحديثة، تتشكل الهويات بحرية، وتُبنى العلاقات على التعاقد المدني، لا على الانتماء القبلي. المدينة ترفض أن تُختزل في العشيرة، وتقاوم أن تُدار بمنطق القرابة. إنها نسيج متنوع، لا يكتمل إلا بالتعدد، ولا يزدهر إلا بالتكامل. قوة المدينة تكمن في قدرتها على جمع الناس، باختلاف مشاربهم، وآرائهم، وأيديولوجياتهم، وطوائفهم. لا وجود لمدينة قبلية أو طائفية أو عنصرية وبقاء المدينة واستمرارها رهن بقدرتها على خلق جو من التصالح بين مكوناتها وعلى منح الجميع هوية جامعة تمكنهم من العيش المشترك.
لكن هذا الكيان الحضري، الأكثر تطورًا وتعقيدًا، في حياة البشر، لا يحيا إلا بقلب نابض: سلطة محلية شرعية، تديره بحكمة، وتضمن عدالة الخدمات، وكرامة العيش. بدون هذه السلطة، تغرق المدينة في فوضى الجريمة، وتتحول إلى كتل إسمنتية قاسية، جافة، لا تُطاق.
المدينة الحقيقية لا تُبنى بالأسماء، بل بالأفعال. من يصنع فيها أثرًا، يُصبح ابنها، مهما كان اسمه أو أصله. إنها فضاء يُعيد تشكيل الإنسان، ويمنحه فرصة ثانية ليكون ما يختار، لا ما وُلد عليه.
في زمن تتسارع فيه التحولات، وتتشابك فيه الهويات، تظل المدينة هي المختبر الأكبر للعيش المشترك، والهوية المُكتسبة، والانتماء القائم على الفعل لا النسب.
أخيرًا المدينة، في جوهرها، ليست سؤالًا عن الأصل، بل دعوة دائمة للفعل، للتعدد، وللعيش المشترك.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات