(ثم ماذا يا عناقيد الدوالي
بسمة الصبح وطير يترنم
المواويل الكئيبات وأحزان الموالي
صرخات كابيات في فؤادي تترنم)
أحمد الضبيع
جيل يكبر وينمو ويتمدد. تلك موجة الستينيات الغاضبة المكتومة في الصدور ثم تضطرم كاللهيب وتشتعل. القلق والتمرد والرفض. فلسفة الجيل اليومية.. بل كل لحظة.. بل كل برهه. كيان النفوس سأم وضجيج. بحث عن ذات.. عن شيء ما. صفات الجيل تتلازم وتهدر مع الفن والثقافة. والشعر ترتفع قوافيه. الأوزان مضبوطة مثل الساعة. الكلمة تهزم الهزيمة. تواجه القمع والشر. أجواء عاشها الجيل بالرغم منه. كان يحلم بالهناء. تماهى مع الحلم. لم يستطع الفكاك من مثاليته وعفويته. جيل فطرته نقاء وصفاء. لكن ذلك كله تشوه وشوه. انقلبت الأشياء والأمور. هرب الجيل إلى أقداره.. توافق معها. وكان على الدوام ثمة هروب أو التجاء.. إلى الكلمة.. إلى الشعر.
هو جيل كان يعتبر نفسه امتدادا لجيل سبق في المعيشة والمعايشة والمواجهة وتعب الأيام وإن اختلفت الظروف.. صعبت أو سهلت.. علت أو انخفضت. جيل في ناحية ثانية لم يتلق الخبز مغموسا في السكر أو الرفاهية والدلال. جيل تمرد وتحرك وشارك في كل الاتجاهات. جيل حي كان في ليبيا صلدا مثل جبل الصوان. مثتله خير تمثيل أصوات الصفوف المتقدمة الواعية والمثقفة الناهضة بمسؤولية الهم والحزن. أجل ثمة مسؤولية ثقيلة للحزن والمآسي.
ذلك جيل حاله هكذا في ليبيا لم يقبل بأن يكون مجرد جسر للعبور. أراد أن يكتشف نفسه ويرى تحقيق تجربته ومعارفه. وكان أيضا له اصطدام كثير باليأس.. بالجدار النابت في وجهه كل صباح.
ومع تطور تجربة أحمد الضبيع القادم من الصحراء إلى الساحل في بنغازي أيام الجامعة وعبر النشر المتاح استطاع البوح والتعبير والقول.
ودائما القول ما قالت الشعراء مثلما قالت حذام في القديم. والأساتذة المهيبون يتابعون هذا التطور وهذا العطاء الجميل. كان أستاذه محسن الشيشكلي ابن حماة على نهر العاصي في سوريا وأستاذ القانون الدولي يهتم بالضبيع وبشعره. استلم منه حزمة من أشعاره وقرأها بحب ومودة.
الشعر في الشام مثل الأنفاس.. مثل العطر.. مثل الجمال وها هو الشيشكلي يعانق شعرا آخر في رحاب الحقوق ببنغازي. يناقش تلميذه رغم جماد القانون الذي لا يعرف الأوزان لكنه يعرف الميزان في قواعد حقوق البشر. يلاحظ ويهتم ثم الأيام تنقطع بينهما بسفر الطالب الشاعر إلى حقوق القاهرة لتكملة دراسته بالسنة الأخيرة عام 1971 عند ضفاف النيل.
ثم جلال الخياط أستاذ النقد والناقد الشهير القادم من العراق.. أرض الشعر والشعراء القدامى المتمرسون التي كانت محطاتها الأخيرة تلك الأيام تحط أقدامها عند السياب والملائكة والبياتي والجواهري وسعدي يوسف والحيدري.. وغيرهم. العراق.. الملاحم والأساطير. ناقد يتذوق الشعر ويفهم معانيه وتجاربه وخلطاته الإنسانية والتضامن مع النضال الإنساني الدؤوب.
كان يأتي من الحقوق ويأتيه في الآداب. استلم شعر الضبيع أيضا وأرسل بها من بنغازي إلى بيروت.. إلى صديقه البير أديب صاحب مجلة الأديب. وكذا عبد القادر القط الناقد الذي لم يلتق شعره مع نقده فتوقف عن الشعر في ذكريات الشباب وأخذه النقد من الشعر. في بنغازي كتب عن القصة الليبية وفرسانها وبعض شعراء ليبيا.
وناقش في الإذاعة موضوعة لمن يكتب الكاتب مع ناقد ليبي كبير لا يقل شأنا عنه هو محمد حمي وبمشاركة عبد الرحمن بدوي أستاذ الفلسفة. بنغازي كانت تجمع هؤلاء. فرسان وروادا مع مواهب وطنية أصيلة تتلمس طريقها الطويل في الإبداع والفن. كان لدينا شعراء ونقاد. كان لدينا كل ذلك يا أيها الجيل الذي مضى وطرحته المقاهي على الأرصفة وذبحه الحزن القاتل في ليالي الشتاء الباردة. الحزن يا أيها الجيل الذي حاول ونهض وشمخ.
في بنغازي التقى نهر العاصي في حماة ودجلة الصاخب في العراق والنيل الذي يسير هادئا وهو يغني المواويل الراجفة. التقى وتوحد في سباخ بنغازي العتيقة مع شعر الضبيع.. الفتى القادم من بيئة شاعرة قديمة عند صحراء ودان. حضارة الرمال مع اندفاع الأنهار الثلاثة مع بحر بنغازي وأمواجه ظل شعر الضبيع يهدر خجولا وقويا مثل خطوات جيله. الشعر يصنع الحياة بين الرمال والبحار والأنهار. البحر تسكنه الدرر والأصداف وتمخره السفن والصحراء تدفن في رمالها حكايا وأساطير وكنوزا. الضبيع شخصيته معجونة في هذا التاريخ ومسكونة بروح الشعر التي تتلبس الموهبة الأصيلة الكبيرة.
الأساتذة الكبار يقتربون من شعره. يهتمون به.. بالموهبة الصادقة.. بالصوت الشعري البهي الذي انقطعت عنه الأجيال اللاحقة ومن يعرفون بالنقاد لدينا. لم يتابعوا إنجازه ومشروعه الشعري الذي بدأ ثم انطفأ. سرقته المهام والواجبات القانونية الثقيلة من الشعر.
ابتعد وتوقف لظروف مختلفة. خسر الشعر صوتا ليبيا مهما كان سيفجر الكثير من الحروف النبيلة. ظل شعر الضبيع مثل غيره في ليبيا انعكاسا كما أشرت سابقا لجيله.. جيل تلك الأيام. حينها كان الشعر رسالة لدى علي الرقيعي ومحمد الشلماني ومحمد الشلطامي وحسن صالح ومحمد المهدي ويونس فنوش وثريا الفقيه وعادل عثمان.. موهبة من فلسطين نشر إبداعه الرائع في بنغازي وكتب عنه الصادق النيهوم باهتمام واحترام. وغير ذلك كثير. مواسم الحرث. والمطر يقبل. وكلمات الشعراء خصوبة في الأرض البكر.
في يوليو 1970.. خطوات الشاعر نحو شارع أدريان بلت. مفوضية الكشاف هناك. في دورها الأول جيل ورسالة. أمسية جميلة. نقاش حول عدد المجلة الممتاز الذي سيصدر في سبتمبر القادم. يحوي مواد مهمة. حوارا أجريته مع الصادق النيهوم. مقالات وتحقيقات. هدية العدد ديوان صغير لشاعر كبير.. كان أول دواوينه.. محمد الشلطامي. تلك الأمسية أنجزت اتفاقا مع أحمد الضبيع لنشر مجموعة من أشعاره في العدد المذكور. جلسة حضرها محررو المجلة سعد نافو وأحمد أنور وسالم الكبتي.. ويونس فنوش القادم من دراسته العليا لقضاء إجازته. والشاعر. سيتولى فنوش إعداد مقدمة نقدية للمجموعة. كان أسمها داخل ملف خاص وبإخراج جميل.. أبيات من الشعر الأزرق.
وكان الشعر في بنغازي أزرق على الدوام. مثل الحبر. مثل البحر.. مثل الحرية.
فماذا قالت الأبيات يومها؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات