بمعزل هنا عن اتفاقكم أو اختلافكم حول الشرعيات، والصدقية والأهلية لمن يحكم أو يريد أن يحكم، تظل ثقافة التأسيس والبناء خاصة في الموارد البشرية أمرا لا محيص عنه.
من ذلك أن غياب منسق الاتصالات والناطق الرسمي المفوض في ليبيا ليس خللا إداريا عابرا؛ بل تفكيك ممنهج لشرعية الدولة ذاتها. في مشهد تتصارع فيه السرديات وتتشظى الحقيقة، يتحول غياب صوت مؤسسي واضح إلى فراغ استراتيجي تملؤه الإشاعة والتضليل.
من المخجل حقا أن يتواصل معك صحفي أجنبي، ويخبرك بحيرة وحسرة، لم أجد أحدا يمكن أن أسأله!! وإذا غاب المجيب، فالإجابات تحصيل حاصل.
هندسة الاتصال لا تدجينه
الاتصال العام لم يعد ترفا دبلوماسيا؛ بل خط دفاع أول ضد تآكل المشروعية وانهيار الثقة. حين تعجز مؤسسة عن صياغة موقفها أو الرد على سؤال بسيط، فإنها تسلّم سلطة التفسير لخصومها، وتحوّل كل قرار - مهما كان سليما - إلى مادة للشك والتأويل الخبيث.
المشكلة ليست في غياب الأشخاص؛ بل في انهيار الهندسة الاتصالية نفسها: لا سياسة مكتوبة، لا سلسلة صلاحيات، لا أدلة عمل، لا نظام لتتبع الرسائل. ما نراه ليس فوضى عفوية، بل فشل بنيوي مزمن يحوّل كل جهد حكومي إلى همس في العاصفة.
من رد الفعل إلى الاستباق: البناء المستقبلي
البناء المطلوب ليس ترقيعا؛ بل مشروع مستقبلي لا تستقيم الدولة من دونه. إعادة بناء الحقل الاتصالي (الإعلام في بعد العلاقات العامة) تعني إرساء دعائم العقد الاجتماعي الجديد، حيث الشفافية ليست شعارا والمعلومة حق وليست منّة.
من اللازم تثبيت التفويض والصلاحيات كتابيا، مع خط مباشر لصانع القرار. الناطق ليس واجهة ديكورية، بل الحارس الأول لسمعة المؤسسة. حين يتكلم، يجب أن يحمل سلطة القول الفصل.
ودون آلية تنسيق لرسائل موحدة تضم ممثلي الجهات الحكومية، تنتج خطوطا ناظمة مختصرة لكل ملف. سيكون الصمت والحديث سواء. وهكذا لا يتكلم ثلاثة وزراء بثلاث لغات عن الموضوع نفسه. الوحدة في الرسالة ليست قمعا، بل ضمان للانسجام.
نذكر أيضا باستبدال ثقافة «إطفاء الحرائق» بأجندة إفصاح منتظمة: موجز أسبوعي، مؤتمر صحفي شهري، تحديثات فورية عند الطوارئ. الصحفي والمواطن والمستثمر يحتاجون إلى يقين معلوماتي، لا فوضى إعلانات عشوائية.
وهذا يستلزم صندوق معلومات رقمي دائم النشر، أرقاما محدّثة، وثائق رسمية، خرائط، أسئلة متكررة وإجاباتها. الشفافية الرقمية اليوم هي بأهمية الكهرباء بالأمس وغدا أيضا.
هل هناك برامج تأهيل احترافية؟ مثل مهارات المقابلة، إدارة الأزمات، الاقتصاد في الرسالة، الالتزام الأخلاقي. الإعلام الحكومي ليس بروباغندا، بل خدمة عامة.
وهناك بالضرورة مؤشرات أداء قابلة للقياس. فما لا يقاس لا يدار. ومن دون أرقام واضحة، سنظل ندور في حلقة مفرغة من الشكوى دون إصلاح.
الاستثمار في المستقبل
هذا ليس إصلاحا تقنيا؛ بل مشروع إعمار رمزي بأهمية إعادة بناء الطرق والمستشفيات. حين نستثمر في البنية الاتصالية، نستثمر في ثلاثة أصول استراتيجية: رأس المال المعنوي (سمعة الدولة تجذب الاستثمار وتطمئن المواطن)، المرونة في الأزمات (القدرة الاتصالية تحوّل الأزمة إلى فرصة لإثبات الكفاءة)، والتماسك الاجتماعي (الرسالة الوطنية الموحدة تعيد خياطة النسيج الممزق).
في مجتمع مشتت، حيث كل منطقة تروي قصتها وكل فصيل يصنع واقعه الموازي، تصبح البنية الاتصالية المحترفة عامل التحام وطني لا يستهان به. الدولة التي لا تحسن التواصل في القرن الحادي والعشرين هي دولة غير قادرة على الحكم.
من النافلة أنه لن تعاد ليبيا من خلال النفط وحده، ولا من خلال الانتخابات وحدها. الإعمار الحقيقي يبدأ حين نمتلك القدرة على التواصل الواضح. من دون حقل إعلامي منظم، سنبقى ندفع كلفة الفوضى ونلوم الصحافة بينما العطب فينا.
الاختيار واضح: إما أن نبني نظاما اتصاليا يليق بدولة تطمح للمستقبل، وإما أن نستمر في الدوران حول أنفسنا، نصرخ في الفراغ، ونتساءل لماذا لا يسمعنا أحد.
يا أهلنا، الصمت ليس حيادا، والعشوائية ليست حرية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات