Atwasat

غياب الأخلاق عن السياسة الليبية... أزمة ضمير قبل أن تكون أزمة سلطة

صالحة إشتيوي الخميس 16 أكتوبر 2025, 01:04 مساء
صالحة إشتيوي

في السنوات الأخيرة، تحولت السياسة في ليبيا إلى ساحة مضطربة يغيب عنها المبدأ وتحضر فيها المصلحة الشخصية. أصبحت الشعارات أدوات تزيين، والبرامج وسائل للوصول إلى الكراسي، حتى باتت القاعدة غير المعلنة في كثير من الممارسات السياسية هي: الغاية تبرر الوسيلة.

هذا الانزلاق الأخلاقي لا يمر دون ثمن. فعندما تنفصل السياسة عن الأخلاق، تضعف ثقة المواطنين في مؤسساتهم، ويتفكك النسيج الاجتماعي، ويتراجع مفهوم الدولة كبيت جامع لكل أبنائها. تصبح السلطة غاية في ذاتها، وتتحوّل الدولة إلى ساحة صراع بين جماعات، لا بين رؤى وطنية.

سياسة بلا أخلاق... تعني دولة بلا ثقة
جوهر الأزمة الليبية اليوم ليس فقط في غياب التوافق السياسي؛ بل في غياب البوصلة الأخلاقية التي تضبط الممارسة العامة. حين يُختزل العمل السياسي في المساومات، ويُستبدل الصدق بالدهاء، والالتزام بالمصلحة، يصبح الوطن رهينة حسابات ضيقة، وتدخل الدولة في دائرة من الشك واللامبالاة.

نحو سياسة أخلاقية واقعية.......

إنقاذ السياسة الليبية من هذا المسار لا يتحقق بالشعارات أو البيانات الرنانة، بل عبر مشروع وطني أخلاقي واقعي يقوم على أسس واضحة، من أهمها:

1- ميثاق وطني للأخلاق السياسية
يحدد القيم والمبادئ التي يجب أن تلتزم بها القوى السياسية، ويرسم خطوطاً حمراء بين المصلحة العامة والمصلحة الشخصية، وبين التنافس المشروع والعبث بمصير الدولة.
2- ترسيخ الشفافية والمساءلة
ليس كشعارات تُرفع، بل كممارسة يومية داخل المؤسسات، عبر آليات واضحة لمراقبة الأداء ومحاسبة من يتجاوز حدود القانون أو الأمانة.
3- المصالحة الوطنية كخيار أخلاقي
لا يمكن أن تكون صفقة سياسية موقتة، بل يجب أن تُبنى على الاعتراف، والعدالة، والنية الصادقة في تجاوز الماضي من أجل المستقبل، لا من أجل المكاسب اللحظية.
4- بناء ثقافة سياسية جديدة
تقوم على المواطنة والعدل والمصلحة العامة، لا على الولاءات الضيقة والانتماءات الجهوية أو الأيديولوجية. فالمواطنة هي الأساس الأخلاقي لأي دولة حديثة.

ليست القوة وحدها ما يصنع الدول، بل الضمير الجمعي الذي يجعل من السياسة خدمة للناس، لا سلاحاً ضدهم. عندما يصبح السياسي خادماً للمصلحة العامة، والمواطن شريكاً في القرار، تتأسس دولة القانون والعدالة. أما حين تغيب الأخلاق عن السياسة، فإن الدولة تفقد معناها، مهما امتلكت من سلاح أو نفوذ.

إن المعركة الحقيقية في ليبيا اليوم ليست فقط مع الفساد أو الانقسام، بل مع ثقافة سياسية تحتاج إلى تجديد جذري ثقافة تُعيد للسياسة معناها الأصيل.

دور المواطن في التغيير

ليبيا اليوم تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى سياسة تقوم على الضمير والمسؤولية، لا على الشعارات الرنانة أو المكاسب الشخصية. المواطن هو شريك أساسي في الإصلاح. عليه أن يبتعد عن الولاءات الضيقة، وأن يختار من يمثله بناءً على الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة الوطن. اختيار المسؤول الصادق والكفء هو الطريق لاستعادة ليبيا لدورها الإقليمي والدولي، ولإعادة بناء دولة قوية قادرة على حماية حقوق مواطنيها.

السياسة ليست صراعا على المناصب، بل رسالة ومسؤولية. ومن يعيد لها قيمها الأخلاقية ويختار القادة الأكفاء، يعيد معها ليبيا إلى الطريق الصحيح، ويضع أسس مستقبل أفضل للأجيال القادمة، حيث العدالة والخدمة الوطنية هي المعيار، لا الولاءات الضيقة، ولا الصراعات التي أنهكت البلاد وأرهقت الشعب.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»