Atwasat

المعارضة والمطابقة

عمر الكدي الإثنين 13 أكتوبر 2025, 12:58 مساء
عمر الكدي

على الرغم من أن كلمة «عارض» معجمياً تعني الرفض وعدم القبول، ولا زلنا نستخدم كلمة عارض في كل المجالات، فيقال عارض المحامي حكم المحكمة ولجأ للاستئناف، وعارض التاجر الصفقة، إلا أنها لم تستخدم على الإطلاق في السياسة، وفي الخلافات بين الفرق الإسلامية، فالمعارض يوصف بالمرتد أو الخارجي أو الرافضي أو المنشق أو صاحب البدعة و«كل بدعة ضلالة»، ولم تستخدم كلمة معارض على الإطلاق، وبعد وفاة النبي امتنعت معظم القبائل عن دفع الزكاة لخليفته أبي بكر الصديق، فحاربهم ووصفهم بالمرتدين.

عمر بن الخطاب رفض هذه الحرب لأنه أدرك مبكراً، أن هذه القبائل تعترض على سلطة قريش، وعندما احتدم النقاش بينه وبين أبي بكر قال أبو بكر: «والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى الرسول لقاتلتهم عليه»، بينما قال طلحة الأسدي الذي كان يمثل المعارضة لقريش: «أطعنا رسول الله ما كان بيننا.. فيا لعباد الله ما لأبي بكر، أيورثنا بكرا إذا مات بعده.. وتلك لعمري قاصمة الظهر».

اكتفى عمر بعزل خالد بن الوليد باعتباره القائد العسكري الذي قاد تلك الحرب، وجهز الجيوش لفتح بلاد فارس والبيزنطيين، وهو لم يضمن بعد الوحدة بين المسلمين، وهي مغامرة قد تقضي على الدولة الوليدة إذا خسر الحرب، ولكن انقسام المسلمين الذي ظهر في عهد أبي بكر أجبره على تحويل الوجهة من الداخل إلى الخارج، حتى إنه أسقط الجزية على قبيلة تغلب المسيحية لتساهم في الفتوحات على قدم المساواة مع المسلمين في الغنائم، فعمر عمليا أغرى القبائل العربية المسلمة وغير المسلمة بغنائم لم يحلموا بها.

ولكن هذه الغنائم ستصبح بعد سنوات قليلة سبب النزاع بين قريش وهذه القبائل، فقد استولى القريشيون على أخصب أراضي العراق حتى سميت بأرض السواد كما سميت ببستان قريش، وهو ما أغضب القبائل اليمنية التي شاركت في الفتوحات والتي أسست مملكة الحيرة قبل الإسلام التي حكمها المناذرة الذين تعود أصولهم إلى قبائل لخم اليمنية، بينما أسست قبائل الأزد من قحطان جنوب اليمن مملكة الغساسنة في الشام، وبالتالي فإن سبقهم الحضاري في تأسيس الممالك سواء في اليمن أو العراق لصالح الفرس، أو في الشام لصالح البيزنطيين ضاع بالكامل عندما سيطرت قريش على الخلافة وعلى الغنيمة.

ثمة مصادر تؤكد أن معظم الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب، عندما قبل بالتحكيم بعد معركة صفين هم من اليمنيين، وقد يكونون يمنيين وغيرهم من القبائل العربية، ومن المرجح أن خروجهم على الخليفة له أسباب سياسية واقتصادية وليس لأسباب دينية، على الرغم من أن الخوارج عرفوا بالتشدد في الدين، ولكن الفتنة بين القبائل القيسية واليمنية ظلت مشتعلة في الشام طوال عهد الدولتين الأموية والعباسية، وهو صراع سافر على الغنيمة.

فالطرف الذي يساهم في إيصال الخليفة إلى منصبه يستأثر بالغنيمة على حساب الطرف الآخر، عندما تأكد الطرفان أن الخلافة لن تخرج من قريش، ولمحاربة الفرقة الأولى المعارضة في الإسلام لجأ الحكام وفقهاؤهم إلى ترويج أحاديث تكفر الخوارج قبل ظهورهم، ومن بينها حديث صنف كحديث صحيح عند البخاري ومسلم يقول: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم، لئن لقيتهم، لأقتلنهم قتل عاد»، ومنذ ذلك الوقت أصبح المعارض خارجياً حتى انتهى الخوارج من الوجود، ولم يبق منهم إلا أتباع المذهب الإباضي، الذين لم يلجأوا إلى القوة للوصول إلى السلطة، ومع ذلك عاشوا في الجبال الحصينة والبعيدة عن مركز الخلافة في عمان وجبال أطلس.

في مثل هذا الاستبداد والصراع الدموي على السلطة والغنيمة لا وجود للمعارضة، وهذه الكلمة تحديدا استخدمت بمعنى آخر، فهي تعني كتابة قصيدة على وزن وعلى نفس البحر والقافية لقصيدة أخرى، أي أنها مطابقة وليست معارضة، ومع ذلك فإن كلمة مطابقة و«طباق» في ما يسمى بعلم البديع، هو الجمع بين الشيء وضده، أو كلمة وعكس معناها مثل ليل ونهار وحي وميت وبعيد وقريب.

في أي ثقافة عندما تفقد الكلمة معناها يصبح المتلقي تائهاً ومشوشاً، ولا أدري هل جاء ذلك بالصدفة أم أن واضعي علم البديع والمحسنات وواضعي علم اللغة تعمدوا ذلك، فكلمة المعارضة لا تعني المعارضة، وإنما تعني الاتفاق، وكلمة الطباق والمطابقة لا تعني الاتفاق، وإنما تعني توافق الأضداد، وحتى لو تجاوزنا ذلك لماذا لم تسم الفرق المعارضة في التاريخ الإسلامي بالمطابقة بدلا من المعارضة؟ وكلمة المعارضة وصلتنا من الغرب كترجمة لكلمة «ابوزسشن» في معظم اللغات الجرمانية.

وهي كلمة دقيقة في معناها المعجمي والسياسي والتي تعني التضاد ورفض ما هو معروض ومطروح، وهي كلمة مقبولة وليست كلمة قادحة وتوصم المختلف بالكفر والردة والانشقاق، ومن يمثل المعارضة قد يصبح في المستقبل القريب حاكماً، بينما يتحول الحزب الحاكم إلى المعارضة، ولكن العرب والمسلمين في ظل هذا الفصام اللغوي، تتحول المعارضة إلى مجرد كلاب ضالة وزنادقة وخونة يتوجب قتلهم، وحتى الآن لا يستطيعون الخروج من هذا الدهليز اللغوي والسياسي والأيديولوجي.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»