Atwasat

أجوبة التاريخ

سالم الكبتي الأربعاء 08 أكتوبر 2025, 01:49 مساء
سالم الكبتي

عند المحاكمات وما بعدها وصل التنظيمان: البعث ثم حركة القوميين العرب إلى طريق مسدود. همد النشاط وتوقف. الدولة لا تريد تنظيمات سياسية تخالفها. التغيرات في المنطقة تدعو إلى المراجعة المكثفة. ولم يكن ثمة بديل. أيام البعث ولت وكذا أيام الحركة. لا جديد يذكر ولا قديم يعاد. النضال يتوقف في محطته الأخيرة. لم يجدد التنظيمان الهواء في حجراتهما.

يخرج المساجين ويباشرون حياتهم العادية وسط الناس. التنظيمات لا تؤكل عيشا. خبا ضياء النادي. أصبح الماضي مجرد ذكرى. أو أحاديث تعاد همسا في الجلسات وليالي السمر. صدى الأيام الحاكي وكفى.

مبادرات أخرى قدمت نفسها في مخاض الأعوام. التنظيمات ممنوعة ولكن يبادر البعض باستمرار الحراك. الحضور والتواجد لم يكن قويا. الأعضاء القدامى في جمعية عمر المختار أو المؤتمر الوطني يعيدون نشاطهم وحضورهم في التفاعلات والأحداث.. ينشطون في لجان نصرة الجزائر والمقاومة الفلسطينية. يلقون البيانات والخطب في المهرجانات الحماسية.

يشاركون في أعمال البر والجهود الخيرية. ولكن دون تنظيم يجمعهم سوى خلفية النضال القديم أيام الجمعية والمؤتمر. في بنغازي يشاركون في إصدار مجلة النور عام 1957. أعداد لم تستمر. مقالات وقصائد وبحوث. وفي 1967 ينغمسون في حراك اللجان التطوعية وجمع التبرعات والمساعدات للنازحين في جبهات القتال.

سمع الناس هنا بشي اسمه حزب الشعب. عنوان لنشاط وحراك آخر بدأ مع مظاهرات يناير 1964. بعض من حسب عليه ندد بما وقع وشارك في تأبين الشهداء من الطلبة وأعد المذكرات إلى السلطة تطالب بالإصلاح. برزت هنا أسماء عبد القادر غوقة وبشير المغيربي وفرج مطر ومصطفى الشيباني وطالب الرويعي وغيرهم. حاولوا أن يمدوا جسورا مع غيرهم من النشطاء في طرابلس. يتردد الاسم.. حزب الشعب دون أن يلامس الواقع مباشرة. تسمية قد تكون وهمية واتخذها المبادرون تغطية لحراكهم. لم يكن الحزب منظورا.

حاول في العام 1965 أن يحتوي معيدين وأساتذة في الجامعة وبين حين وآخر يصدر منشورا أو أكثر تعبيرا عن الحال السائد خاصة ما يتعلق بوجود القواعد الأجنبية والمطالبة برحيلها. حزب يتردد اسمه. السلطة تسمع به ولعلها تقيمه بأنه خلاصة لسياسيين قدامى يحاولون طرح أنفسهم بطريقة جديدة. الحزب غير المرئي ظل مجهولا ثم انطفأ بريقه. ولكن ظل التحذير منه في أوقات لاحقة يلوح ويظهر خوفا من تمدده وانتشاره بعد سبتمبر 1969.

تقارير قدمت للسلطة الجديدة وأشارت إليه بأن عناصره المختفية قد تتحرك وتنتهز الفرصة وبراح الحرية عقب الثورة خاصة في رحاب الجامعة بطلابها وأساتذتها. لكن شيئا من ذلك لم يحدث. العناصر التي يشار اليها بأنها من أعضائه مارست نشاطها في صفوف أخرى.

مبادرات تتواصل وتتوقف بمسميات لم تأخذ الشكل الجدي للتنظيم أو الحزب. وفي الأصل ظلت الأحزاب مجرد حلم لم يتحقق بصورته النهائية المتوخاة. ظلت في إطار الإرهاصات وعندما تحاول النمو والتطور تتشتت جهودها وتضرب لافتقارها إلى أبسط قواعد التنظيم. ضيعت التنظيمات الوقت في فراغ لم تسده أيضا.

التجربة الحزبية الليبية ظلت مجرد محاولات وأحلام. كان من المفترض أن تستمر بالصورة التي تحقق نجاحا في القاعدة وتواصلا مع السلطة بنقدها وكشف أخطائها وممارسة حقها في لعبة الديمقراطية والمشاركة السياسية. الخوف وانعدام الثقة الدائمة لازما العلاقة بين الطرفين. ظل التفكير في إقامة تنظيم أو حزب معركة غير لازمة بالضرورة في بلد يعاني التخلف والأمية وانعدام الوسيلة. ثمة احتياجات لأشياء أكثر ضرورة وأهمية من تشكيل الأحزاب والتنظيمات.

ثم يظل الخط الخارجي يعبر الحدود ويصل إلينا على الدوام. الفراغ يبقى والمحاولات تفشل. البرلمان وفقا للدستور يمثل الحياة الديمقراطية كما تريدها السلطة وكما يشارك فيها الناس بالترشح والانتخاب. البرلمان بمجلسيه شيوخا ونوابا سيكون بديلا واضحا لصوت التنظيمات. المعارضة تمارس داخله وتحت قبته تواجه الحكومة وتشير إلى مواقع الخلل.

في عام 1960 نجحت تلك المعارضة بنوابها المعروفين في سحب الثقة عن إحدى الحكومات فأسقطتها ووافق الملك على ما طالبت به المعارضة. كان الصوت أيضا قويا داخل البرلمان في تقويم الاعوجاج والمطالبة أيضا بالإصلاح والتغيير ومقاومة الفساد وضرورة جلاء القواعد الأجنبية فلم تعد حاجة ملحة لوجودها. زالت الأسباب الاقتصادية باكتشاف البترول وانتعاش البلاد بتحقيق الاستقرار والنمو وحسن العلاقات مع العالم. ليبيا كانت صورتها في الخارج حسنة ومعقولة. لا مشاكل ولا استنزاف للقدرات المحلية ضد الآخرين. سياسة الاعتدال والواقعية.

في مصر المجاورة التي كانت مثالا للتقدمية ومحاربة الاستعمار والسعي لتحقيق الوحدة العربية.. يكون عبد الناصر تنظيما طليعيا سريا. يضع أسس خطواته. يمتد في كل المرافق السياسية والتعليمية والاقتصادية والثقافية. يضم أعضاء هدفهم تجديد الدماء في ثورة يوليو التي يتربص بها الأعداء.

خطوة أرادها عبد الناصر على طريق الثورة ومحاربة جيوب المتربصين. يتغلغل الأعضاء في أطراف الدولة. التقارير إلى درجة عد الأنفاس. المتابعة والرقابة. ثم يوسع عبد الناصر إطار التنظيم الطليعي السري ليتجاوز القاهرة وينتشر في الوطن العربي باعتبار أن الثورة العربية واحدة وأن الأعداء لا يختلفون ولابد من استمرار المواجهة والنضال.

جرب عبد الناصر الوحدة. والمساندة العسكرية في اليمن والتدخل في شؤون الدول. والآن ثمة درب آخر للثورة. التنظيم الطليعي عليه أن ينطلق أيضا في المنطقة للوعي بالثورة وتصديرها. في كل الأنشطة المصرية كانت المخابرات تقوم بدورها وتستكشف وتستطلع وتساهم في العمل بحجة إنجاحه وصولا إلى تخريبه.

في اليمن تشكل التنظيم. وفي الكويت. كان الطلاب العرب في القاهرة أيضا محط الاهتمام وبادر كثير منهم للمشاركة في التنظيم. وبطريقة سرية وصل إلى ليبيا. التنسيق مع عبد الناصر عبر مدير مكتبه للمعلومات.. سامي شرف رجل الاستخبارات بامتياز. هنا في العام 1968 بعد صدمة النكسة يصير بشير المغيربي وعبد القادر غوقة وعلي وريث وإبراهيم الغويل نواة التنظيم الطليعي السري الناصري في ليبيا. بعض الأعضاء لم يتحمس للفكرة كثيرا لأنها ظلت على ارتباط وثيق برجل المخابرات فتحي الديب.

حاول التنظيم استقطاب المزيد لإسناد ما بقي من تراث عبد الناصر ومسح آثار العدوان والهزيمة. الناصريون عرفوا بعشقهم وولائهم لفتى العروبة الأسمر والسير على هداه. واستبعاد الحزبية والتنظيمات المخالفة. التنظيم الطليعي له رأي واحد واتجاه واحد. من الطلبة الليبيين الذين شاركوا في نشاطات التنظيم بمصر الطالب محمود تارسين. والتنظيم في الأساس لم يتميز بشي داخل ليبيا ولم يأت بجديد ولم يغير من الحال أي خطوة. والتيار القومي اختلف مع عبد الناصر في تحقيق الوسائل لكن الهدف ظل واحدا. النظام الجديد في ليبيا أيضا كانت له حساباته. فأغلب أعضاء قيادته كانوا من الناصريين الوحدويين الذين لبسوا عبد الناصر تماما في شخصيتهم وحاولوا تقليدها وتكرارها.

فكيف يسمحون لمزايدات يرونها من تحصيل الحاصل فهم أولى من غيرهم بعبد الناصر وتراثه خاصة وأنه أشار الى معمر القذافي بأنه سيكون من بعده هو الأمين على القومية العربية. الإشارة صارت مثل الوصية. والقذافي في الأصل كذلك يتوجس من كل ما يمت إلى العمل السري تحت الأرض بصلة. لقد مارسه وانغمس فيه ولا يمكن أن يسمح بتكراره.

يعرف أن التنظيم الطليعي رغم ما يقال عنه لكنه وثيق الصلة بمكاتب المخابرات والمعلومات. الثورة تحققت انتصارا لعبد الناصر في ليبيا ولم يعد ثمة حاجة لتنظيم طليعي أو غير طليعي. ليبيا ناصرية وقومية. هكذا يؤكد لسان حال القادة الجدد. لا حاجة لأن يزاحمهم الآخرون في هذا الحماس. الثورة الجديدة تجب ما قبلها وهي علم تغيير الواقع كما ترى قيادتها.

كانت تلك من المحطات الأخيرة في تجربة التنظيمات الليبية. سيتعطل النشاط. بالتغيير عام 1969 تنشأ مفاهيم أخرى تطل برأسها كما أشرنا.. حذار من الأحزاب. لم يختلف الوضع عن فترة عهد الاستقلال في قطع الطريق أمامها. كل محاولة لإعادة التكوين تضرب في مهدها. كل خطوة للإصلاح أو المبادرة الوطنية تتهم بالعمالة والحزبية. تهمة الحزبية ظلت من أخطر التهم التي تلحق بأي مواطن. كثيرون من المواطنين العاديين الذين لا يعرفون معنى الحزب أو ماهيته ولم يتصلوا بأي أشكاله طالته هذه التهمة. شباب صغار تورطوا في أحداث شغب ومظاهرات لاحقتهم هذه الصفة وصاروا رغما عنهم.. شيوعيين أو بعثيين أو إخوانا مسلمين.. وهكذا.

وفي الخارج عندما تفرق الكثير من الليبيين في هجرات مختلفة نحو بلاد العالم رفضا لما حدث في البلاد حاول بعضهم إعادة تشكيل بعض هذه التنظيمات خاصة حزب البعث. وتنوعت التشكيلات بعدة مسميات كان هدفها معارضة النظام والتصدي له وإعادة الحياة الديمقراطية بوضع دستور ينظم علاقة الحاكم بالمحكوم وإجراء الانتخابات والسماح بتكوين الأحزاب وحرية الصحافة وغيرها مثل ما يجري في دول العالم الأخرى.

الحلم ظل يسري ويجري. تاريخ الأحزاب في ليبيا ظل هو الآخر في صفحات التاريخ يحتاج إلى تقليب صفحات ومراجعتها. وطرح الأسئلة.. ماذا تحقق من هذا التاريخ.. ماذا بقي منه. هل الأحزاب كانت صدى للخارج أم صوتا للداخل. هل نجحت. هل أخطاؤها أو حماسها في غير محله أوقعها في مرارة الخيبة والفشل. ما موقف روادها وعناصرها مما حدث ووقع. هل تجربة الأحزاب بنفس الكيفية والطريقة أو غيرها تفيد ليبيا في مستقبلها المنظور. هل أضحت الأحزاب بصورتها القديمة حلا لمشاكل ليبيا وتعقيداتها. هل الأحزاب ضرورة. أين تكمن الأجوبة. التاريخ سيتكفل بذلك؟!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»