Atwasat

أرض التوجس الماحلة

سالم العوكلي الثلاثاء 16 سبتمبر 2025, 02:12 مساء
سالم العوكلي

في كتابه «غرباء على بابنا» ترجمة نجيب الحصادي، يورد زيغمنت باومان، حكاية شهيرة عن هواجس الانتحار الفردي أو الجماعي في لحظة حضور الخوف الذي يفرغ الحياة من محتواها: «في قصة إيسوب الشهيرة حول الأرانب البرية والضفادع. أرانب هذه القصة تتعرّض إلى اضطهاد سائر الحيوانات إلى حد أنها لم تعد تعرف إلى أين تذهب.

وكانت كلما رأت حيواناً يقترب منها تشرع في الجري هرباً منه. وفي أحد الأيام رأت فرقة من الخيول البرية تتدافع من حولها، فانتابتها حالة ذعر شديد، وانطلقت تعدو صوب بحيرة، بعد أن عقدت العزم على أن تغرق فيها بدلا من حياتها في خوف مستمر.

وما أن اقتربت من البحيرة، حتى هُرعت فرقة من الضفادع، خافت بدورها من اقتراب الأرانب، إلى القفز في البحيرة: «صحيح»، فيما قال أحد الأرانب، «الأمور ليست سيئة على النحو الذي تبدو به». لا حاجة إلى تفضيل الموت على الحياة بسبب الخوف.

والعبرة من قصة إيسوب واضحة وصريحة: الشعور بالرضا الذي أحسّ به هذا الأرنب – الهدنة المرحب بها من جزع الاضطهاد اليومي – ناجم عن اكتشاف أن هناك دائما من يقع في مأزق أسوأ من مأزقه».

إسقاط أرانب إيسوب في هذا المثال من الكتاب، على المهاجرين إلى أوروبا، فـ«الأرانب التي تتعرّض لـ«اضطهاد سائر الحيوانات» والتي تجد نفسها في محنة شبيهة بمحنة من تصفهم قصة إيسوب، كثيرة في مجتمع الحيوانات البشرية – وفي العقود الأخيرة ازداد عددها ويبدو أن هذه الزيادة غير قابلة لأن تتوقف.

إنها تعيش في شقاء، وذلّ، ومهانة وسط مجتمع يعمل على نبذهم بينما يتباهى برغيد عيشه ورفاهه غير المسبوق؛ فبعد أن أصبحت الأرانب بشكل روتيني موضع سخرية وتقريع «سائر الحيوانات البشرية»، غدت تشعر بأنها تتعرّض للإهانة والاضطهاد عبر التقليل من شأنها وإنكار قيمتها على يد شعب آخر، وتتعرّض في الوقت نفسه لتوبيخ وإذلال وسخرية مَحكمة ضميرها بسبب عجزها البيّن عن مضاهاة من هم أعلى مرتبة منها».

تُسمى مثل هذه التنازلات النوعية حالةَ تكيف أو إدماج، لكن ممارسات الاضطهاد والتقليل من الشأن لن تتوقف ولو سُرِّبت عن طرق الفكاهة أو النكتة الموجعة، وهذا المثل، لنكون أكثر إنصافاً، لا ينطبق على الغرب فقط ولكن سائر المجتمعات تعاني من هذا النوع من الاضطهاد الاجتماعي، عرقي أو مذهبي أو لوني أو طبقي، ولا شفيع لضحايا هذا الاضطهاد بكل أنواعه، سوى أن يفاضلوا بين السيئ والأسوأ.

ومن هذا المنطلق، وحسب سياق الكتاب، فإن المهاجرين ينتقلون من دولة أوروبية إلى أخرى، أو يفضلون مدينة عن مدينة، وفق هذا التفاوت، واختلاف مستويات الحضيض، وبالنسبة لهم كل حضيض أهون من المكان الطارد الذي جاءوا منه حتى وإن كان يسمى وطناً: «وبالنسبة للمنبوذين الذين حسبوا أنهم وصلوا إلى الحضيض، اكتشاف حضيض تحت الحضيض الذي دُفعوا إليه هم أنفسهم حدث منقذ للروح، يعيد إليهم كرامتهم الإنسانية ويحافظ على ما تبقّى من احترامهم لأنفسهم.

ويخلق وصول أعداد هائلة من المهاجرين المشردين المحرومين من حقوقهم الإنسانية، ليس عملياً فحسب بل بحرفية القانون، فرصة (نادرة) لمثل هذا الحدث. ويقطع هذا شوطاً كبيراً في تفسير تزامن الهجرة المكثفة في هذا العصر مع ظهور قدر كبير من رهاب الأجانب، والعنصرية، والتنويعة الشوفينية من النزعة القومية – والنجاح الانتخابي المدهش بقدر ما هو غير مسبوق الذي حققته أحزاب وحركات عرقية، وشوفينية، تعاني من رهاب الأجانب، وحققه قادتها القوميون المتطرفون».

لا يستثني باومان من هذا الاضطهاد حتى المواطنين الأصليين المهمشين أو المنبوذين لأسباب اقتصادية أو اجتماعية، ولكن من المفارق أن يصبح ضحايا التهميش من المحليين دافعاً خفياً لانحيازهم اللاواعي إلى القوميين من اليمين لأسباب عدة: «فقد حصلت «الجبهة الوطنية»، التي تقودها مارين لو بن، على معظم الأصوات التي حصلت عليها من الطبقات الأدنى من المجتمع الفرنسي – من المحرومين، وضحايا التمييز، والمعدمين والخائفين من العزل – بعد أن حشدت الدعم بالدعوة الصريحة أو المفترضة ضمنا «فرنسا للفرنسيين».

إذ لم يكد يكون في الوسع تغاضي أناس مهدَّدين عمليا بالعزل من مجتمعهم، وإن لم يكونوا مهددين به (حتى الآن) رسمياً، عن مثل هذه الدعوة: ففي النهاية، تؤمّن النزعة القومية لهم احتراماً للنفس تلاشى أو انمحق تماماً».

وقد يُفسِّر هذا التناقض موقفَ الكثير من المهمشين، أو المقصودين بدعوات ترامب لعزلهم، فيضعون أصواتهم في صندوق مّن هو مفترض أن يكون خطابه العنصري مهدداً لهم وجودياً، ورغم الإهانات المباشرة التي صرّح بها ترامب حيال المهاجرين الملونيين (وصف السود بالعفن واللاتينيين بالمجرمين) فسنجد أن نسبة منهم تؤيده بقوة وتدافع عنه، والبعض يحلل هذا الاختلال المنطقي بكون المهاجرين الأوائل لا يرغبون في مهاجرين جُدد، تحت ضغط الخشية من أن يزيد هذا التدفقُ من انخفاض الأجور والمرتبات، ويطوّل الطوابير، الطويلة أصلاً، في سعيها للحصول على وظائف نادرة، ولكن الأمر لا يخلو من جانبه السيكولوجي الشبيه بمتلازمة ستوكهولم، أو عقدة عدوى الجلاد التي تصيب الضحية، فيغدو المهاجر القديم عنصرياً مع الوافدين الجدد الذي يرى أنهم أقل منه شأناً.

«أن تكون فرنسيا (أو فرنسية) ملمح (لعلّه الوحيد) يضع نظراءك الفرنسيين ضمن صنف النبلاء، وأصحاب السموّ، والعظماء في القمة، ويضعهم في الوقت نفسه فوق الغرباء المتشابهين في البؤس، الوافدين عديمي الدولة».

هم في الواقع عديمو دولة وليسوا عديمي وطن، لكن في الظروف السياسية التي تصبح فيها الدولة أو السلطة هي الوطن، أو العكس، يحدث نوع من العمى في الهوية، ويصبح تفاوت (الأحضَّةِ أو الحُضض) هو الملاذ للغرباء الذين ستصبح الغربة هويتهم أينما حلوا. وينتقل الصراع في صناديق الاقتراع بين ضحايا الاضطهاد من الأصليين الذين يثيرهم الشجن القومي رغم بؤسهم، وبين ضحايا الاضطهاد من الوافدين الذين يهددون قومية أمثالهم: «ويقوم المهاجرون مقام الحضيض المستهدف المتموضع في درك أسفل – تحت الحضيض الذي خُصّص للبؤساء من أهل البلد وألزموا به؛ وهو حضيض قد يجعل نصيب المرء أقل بقليل من الحط المطلق للشأن، وبالتالي أقلّ مرارةً بقليل، وعدم قابلية لأن يطاق ويُحتمل. ويجب أن يُخبَر المهاجرون بأنهم يعيشون في زمن مستعار، وأنهم سوف يُبقَون على هذا الحال – على الأقل كي يشعر الفرنسي والفرنسية، في السراء والضراء، بأنه في بيته».

ورغم تركيز باومان على الاستشهاد بالمثل الفرنسي لقربه من نماذجه الصادحة علناً، وبسبب صعود اليمين المتنامي في أمة بُنيتْ على القيم الجمهورية، إلا أن الأمر سينطبق على قوميات عديدة إن لم أقل ــ دون خشية من التعميم ـ على القوميات جميعها، لأنه وفق فتوحات النظرية الداروينية، ما زالت فكرة القطيع تلاحق هذه المجتمعات حتى بعد وصولها إلى القمر، وبنائها لناطحات السحاب، وتدبيج سردياتها عن القرية الكونية. ولم يستطع زخم التحضر وبريق التقدم أن يتجاوز هذا النزوع القطيعي المنقول جينياً من جيل إلى جيل.

أو كما قال البابا فرنسيس في زيارته للامبيدوسا عن حالة فقدان الشعور بالمسؤولية: إنها تؤدي إلى عولمة اللامبالاة. وفي هذا العالم المعولم، وقعنا في براثن لامبالاة معولمة.

في ليبيا، على سبيل المَثل، لا يطال التمييز والإهانة المهاجرين فقط، ولكن حتى العائدين من المهجر الذين يحملون الهوية نفسها، ولكنهم فقدوا في المنفى المؤقت رائحتهم التي تتعرف بها الكائنات الخرساء على أبناء جلدتها. والمقصود بالهوية في هذا السياق هو الجنسية الليبية الرسمية التي تبلورت عبر وقائع سياسية أفضت إلى استقلال هذه الجغرافيا.

فتحصل كل مقيم فيها وقت التعداد السكاني الأول على الجنسية بشكل يشبه المصادفة، وهو تمييز أو اضطهاد سيظهر بوضوخ في قوانين الجنسية في معظم الدول العربية التي تمنع أو تُضيّق فرص الحصول على الجنسية لأي وافد جديد، إلا إذا كان رياضياً من الممكن أن يتحصل للدولة على ميداليات في الألعاب الأولمبية، أو يدعم فرق المنتخبات الوطنية، وهو إجراء استثنائي جداً.

وتتعدد أسباب التمييز والاضطهاد، سواء أكان مع محليين أم وافدين، لكن باومان في كتابه المهم يذكر أن «هناك سبب أكثر استثنائية (أي يتجاوز التوجس «العادي» اللازمني في الغرباء) للاستياء من التدفق الهائل للمهاجرين وطالبي اللجوء.

وهو سبب مغرٍ لدى قطاع مختلف من المجتمع - «الهشاشتاريا» الطالعة [precariat كلمة تجمع بين البروليتاريا والهشاشة، وتشير إلى أناس يعانون عوز الأمن وعدم القدرة على التوقع] – التي تخشى من فقد منجزاتها وممتلكاتها ومكانتها الاجتماعية الموقَّرة والأثيرة، وخلافا لأرانب إيسوب، مكافئيهم البشريين، تشعر بالقنوط لأنها فقدتها أو لم تُمنح فرصة الحفاظ عليها».

وحقيقة لا ينطبق مثال أرانب إيسوب الانتحارية انطباقاً شبه حرفي إلا على من يلقون الآن أنفسهم في البحر ويغرقون بالآلاف من أجل استبدال حضيض بحضيض أقل. وكما يقر باومان وهو يرصد الاستراتيجيات التي يطبّقها الساسة لاغتنام هذه السانحة: «سياسة الفصل المتبادل والحفاظ على مسافة تباعد، وتشييد الجدران بدلا من الجسور، لا يذهب بنا إلى أي وجهة عدا أرض التوجس المتبادل الماحلة، والتغريب والتفاقم».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»