Atwasat

ونجيب كان عطر الرواية

سالم العوكلي الثلاثاء 15 يوليو 2025, 01:29 مساء
سالم العوكلي

حتى حين كتبت روايتي (جريمتك يا قرنفل) لم أستطع تجاوز صديق الروح نجيب الحصادي، وتسلل إليها دون أن أخطط، وروايةٌ كانت تمزج السيرة الذاتية بالمتخيل، وتحاول أن تلم شتات المعرفة وشظاياها في داخلي، لم يكن لها أن تتجاوز نجيب الحصادي لأنه متن السيرة، وحين جاءني بنسختها التي قرأها وجدت أنه قد وضع خطوطاً تحت كل جملة أو سياق حضر فيه، ولأنها رواية وليست وثيقة تاريخية لم يحضر اسمه إلا تحت «صديقي المترجم» وبالتأكيد كل من يمر بهذه الجملة سيعرف من هو صديقي المترجم الذي كم نهلت من تدفق ترجماته المنتخبة وكم سكرت بعذوبتها، والضمير في السرد التالي يعود على الراوي المفترض للرواية وهو شخصيتها الرئيسة:

يحاول حشد كل معارفه وتجربته التي عاشها أو سمعها أو قرأها لتعينه على عبور هذا النفق إذا قُدر له أن ينجو في النهاية، فبدأ يسترجع أفكار كتاب قرأه منذ فترة قريبة. صديقه المترجم في حقل الفلسفة الذي كان يبعث له مسودة ما يترجمه كل مرة وقبل نشره، بعث له كتاب (تاريخ موجز للفلسفة) لنايغل روبرتن، ومع النسخة الإلكترونية لهذا الكتاب ماسج تقول له «هذا كتاب يُقرمش» وما حصل أنه قرمشه فعلا، وحين تكون الأفكار العظيمة في ورشة نجار يعرف كيف يحيل جذوع الخشب إلى أرائك مريحة تغدو الفلسفة الثقيلة كنزهة ممتعة في طريق كثيف الضفاف مشرع على أفق تترك فيه الشمس الغاربة غبارها النبيذي يتلاشى في جوف عتمة بطيئة.

ما يعنيه الآن هو فكرة «التفكير بأسلوب فلسفي» التي حدثه عنها صديقه، والتي تطرق لها بعض الفلاسفة المطبوعين الذين مارسوا الفلسفة بفطرة وعبقرية كما يمارس بدوي عزف المزمار دون مرجعية موسيقية، ومعظمهم لم يكتب كتابا لكنه حوّل أفكاره إلى تراث شفهي تداوله التلاميذ حتى تحول إلى حبر وأصبح الآن يسافر عبر الكون في ملفات رقمية تذهب في رمشة عين.

غبطة خافتة مرت به، وبعض من لذة لا يعرف موقعها، أحس بها حين تداعت في ذهنه كلمات أبيقور بلغة صديقه المترجم اللامع الذي لا يألو جهدا في الحفاظ على موسيقى الجملة وإيقاعها حتى وهو يترجم كلاما معقدا لفلاسفة شفويين كانت تعنيهم الفكرة أكثر من اللغة، وأنصتَ بخشوع من جديد لهذا الدفق حول زبدة فكر أبيقور: كان الفيلسوف اليوناني القديم أبيقور قد جادل عن أن الخوف من الموت مضيعة للوقت ومؤسس على منطق خاطئ. هذه حالة ذهنية ينبغي التغلب عليها. إذا فكرت في الأمر مليّا، ينبغي عليك ألا تشعر بالخوف إطلاقا. وما إن تتفكر بشكل واضح حتى يتضاعف قدر استمتاعك بوقتك على وجه الأرض، وهذا عند أبيقور أمر غاية في الأهمية.

لقد اعتقد أن الغاية من الفلسفة هي أن تجعل حياتك أفضل، أن تساعدك على العثور على السعادة. البعض يعتقدون أنه شيء كئيب أن تمعن في التفكير في موتك، لكن أبيقور يعتقد أنه سبيل لجعل العيش أكثر ثراء.

التفكير بأسلوب فلسفي!!! يبدو أنها وصفة بعيدة المنال، خصوصا على شخص معصوب العينين لم يقرأ الكثير من الفلسفة، وكان دائما يفكر بكل حواسه، ويدرك أن للخوف حضورا كيميائيا في الجسد يؤدي إلى تدفق العديد من الهرمونات التي تحدد ردود الأفعال، وهذه العمليات الأيضية لم تكن في متناول الفلاسفة الذين حاولوا أن يهدئوا من روع الموت عبر التمارين، لكن اللوزة الموجود في الدماغ هي المسؤولة عما يحس به الآن، ولا يمكن التخلص منه إلا بتلف هذه اللوزة التي تجعل الكثير من الناس متهورين، وغالبا ما تسمى هذه الحالة المرضية في قاموسنا التجريدي (الشجاعة). تمنى لو أنه استأصل هذه اللوزة الثالثة في عملية استئصاله للِّوزتين حين التهبتا في حلقه.

أمام هذا التداعي المحبط لِما رسب في ذهنه من كيمياء الخوف، تأمل من جديد في تجربة والده الأقرب للمحاكاة، ألم يفكر والده، طيلة حياته بأسلوب فلسفي رغم أنه لم يسمع في حياته بهذر اسمه فلسفة؟ وحتى لو سمعها سيعجز عن نطقها صحيحة، ولاذ هذه المرة بهبة جينية تجعله يفكر بأسلوب فلسفي بعيدا عن شرفة الرواقيين وتأملاتهم التي لا يعرف ما إذا كانوا قادرين على تطبيقها أم لا حين يكونون في مثل هذا الوضع العصيب والغامض؟

«الحياة قصيرة والفن طويل» ظهرت هذه العبارة تحت العصابة وكأنها مكتوبة على رخامة قبر عتيق في الجبانة التي تنمو باطراد في ركن من هذيان الصور المتلاحقة، كان قد وضع تحتها خطين في مسودة الكتاب الذي بعث له صديقه المترجم نسخة إلكترونية منه كي يراجعها، وبدل أن يراجع بانتباه كما يفعل عادة مع كُتبٍ لا تصيبه بالدهشة، استرسل في متعة هذا الكتاب الذي يحيل أعظم الفلاسفة إلى شخصيات روائية يصف مظهرها ولباسها وحركتها وسلوكها في الحياة اليومية، قبل أن يقتنص الفكرة الأساسية التي بنى حولها صرحه الفلسفي.

الحياة قصيرة والفن طويل. عبارة اليوناني القديم هيبوكراتيس التي طالما استخدمها السفسطائيون كنموذج في دروسهم الخصوصية بمدينة قورينا باعتبار الجدل حولها لن يعرف نهاية أبدا. «غالبا ما يأمل كبار السن الذين يحسون بدنو أجلهم في بضع سنين أخرى بحيث يتسنى لهم تحقيق ما رغبوا فيه حقيقة في الحياة. ولكن غالبا ما يكون الوقت متأخرا فيشعرون بالحزن حول ما كان له أن يكون. الطبيعة قاسية في هذا الجانب. ما إن نكون على سيطرة تامة على الأمور، حتى نموت..».

من خلال هذا العبث الذي تلعبه الطبيعة الماكرة، كان يفكر في وقته المتأخر الذي أجل صوبه الكثير من مشاريعه وكأنه يعيش أبدا، وفي هذه الساعات الطويلة التي يقضيها في محتجزه ولا يعرف إلى أين ستؤول به الساعات القادمة.

سينيكا، الروماني مروج الرؤى الرواقية الأعظم، كان هو إحدى الشخصيات التي توقف عندها كثيرا وتناغم معها لدرجة أنه ما عاد ينتبه للأخطاء المطبعية في الكتاب، كان سياسيا لامعا ورجل أعمال ناجحاً وفيلسوفاً مثابراً، ولا يتفق مع هيبوكراتس فيما ذهب إليه. فالمشكلة لا تكمن، كما رآها سينيكا، في قِصر حياتنا، بل في سوء استخدامنا للوقت المتاح لنا، وعلينا ألا نشعر بالغضب بسبب قصر الحياة، بل ننتهزها بأفضل ما يمكن.

وقد أشار إلى أنه كان لبعض الناس أن يهدروا ألف سنة بالسهولة التي يهدرون بها الحياة التي يعيشون. وحتى لو عاشوا ألف سنة لربما اشتكوا من قصر الحياة. الواقع أن الحياة عادة ما تكون طويلة بما يكفي لإنجاز الكثير، طالما قمنا بالاختيارات الصحيحة: إذا لم نهدرها في مهام لا جدوى منها. البعض يطارد المال بطاقة تحول دون قيامهم بالكثير؛ بعض آخر يقع في شرك إمضاء كل وقت فراغهم في شرب الخمر واللهو.

لقد اشتهر أصحاب الرواق برؤاهم المتعلقة بالتحكم الذهني، يهذون بأفكار ستضيء حدس العالم حتى تغمرهم عتمة الليل الأثيني المترع باللذة ـ وهذا ما يتمرن عليه الآن إذ لم يبق له في هذا المحتجز سوى الذهن ـ بمعنى أن نتمرن على الخلاص من القلق حيال ما لا نستطيع تغييره.

وفكر هل كان بالإمكان أن يغير ما فيه الآن؟ ربما قبل أن يحدث، أو لو فكر أن هذا الطقس المغبر غير صالح للخروج. لكن، بمجرد أن تجاوزته العربة السوداء ونزعه الملثمان من خلف المقود، أصبح كل شيء خارج التحكم ولا يستطيع تغييره، ولذلك عليه ألا يقلق بشأنه، ويفكر فيما يستطيع تغييره، ولكي يرتب أفكاره وخطته تساءل: ما الذي أستطيع تغييره الآن؟ وكان السؤال صعبا وإن بدا إجابة لتكتيكات طالما فكر فيها عندما كان يحدثه أحد المختطفين عن قصة خطفه.

هل ثمة حنان أو نواة ضمير في أي إنسان؛ مهما كان متوحشا وقاسيا، يمكن الوصول إليها باستخدام أية مماحكة لغوية أو إشارات جسدية؟ هل بالإمكان تدبر طريقة للهروب كما فعل بعض المختطفين؟ وبعيداً عن كل هذه الأسئلة، وليغوص أكثر في الفكرة الرواقية، تمرن على الوصول إلى نوع من السلام الذي يصله محكوم بالإعدام مع الزمن والتكيف مع فكرة الموت مستعيذاً بوضوح السؤال التأكيدي الذي طرحه أبيقور: لماذا ينبغي عليك أن تخشى الموت، طالما أنك لن تختبره. لن يكون موتك شيئًا يحدث لك. حين يحدث الموت لن تكون موجودا.

استشهد نجيب بما قاله أبيقور حين سأله المحاور عن الخوف من الموت في أحد الحوارات، لكن الأهم من ذلك أن نجيب الذي لم يهدر وقته، مَثّل حرفياً ما وكد عليه الروماني سينيكا: «علينا ألا نشعر بالغضب بسبب قصر الحياة، بل ننتهزها بأفضل ما يمكن.

وقد أشار إلى أنه كان لبعض الناس أن يهدروا ألف سنة بالسهولة التي يهدرون بها الحياة التي يعيشون. وحتى لو عاشوا ألف سنة لربما اشتكوا من قصر الحياة. الواقع أن الحياة عادة ما تكون طويلة بما يكفي لإنجاز الكثير، طالما قمنا بالاختيارات الصحيحة».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»