فيروز/ أم كلثوم. شط الحرية/ السرايا. ميسي/ رونالدو. العيساوي/ التايب. محفوظ/ يوسف إدريس، كثيرة هي الثنائيات في حياتنا، حين ينفق الناس أبعاضًا من وقتهم، لعقد دلائل التفضيل، دون تفكير في نقطة جوهرية بسيطة: هل المقارنة ممكنة؟ وهل التفضيل منطقي فعلا؟
وفي المشهد الثقافي لا يختلف الأمر عن الكرة والفن، حيث فخ التفكير الثنائي، فيُصنف المثقفون والباحثون ضمن ثنائيات متقابلة: مثقف نقدي أو أكاديمي رصين، مفكر حر أو باحث ملتزم بالمنهج. من هنا تظهر المقارنات المتكررة بين أسماء بارزة مثل الصادق النيهوم ونجيب الحصادي، والتي تظهر إشكالية عميقة في رؤيتنا للثقافة كفضاء تنافسي ـ أشبه بدوري كرة قدم ـ لا كمساحة تكامل وتنوع.
الصادق النيهوم، المثقف الذي جسد في كتاباته مشروعا نقديا وتأويليا عميقا. كان همه الأساسي تحريك المياه الراكدة وإثارة الأسئلة الحادة التي تسائل الثوابت الاجتماعية والثقافية والدينية، وقدم أفكارا خلقت سجالات واسعة على المستوى العربي.
أما نجيب الحصادي، فقد كان مثالا للباحث الأكاديمي الموسوعي الدقيق، الذي كرس وقته وجهده في نقل المعرفة بالترجمة، وإعادة ربطها بالواقع المحلي، خاصة في مجال التفكير والمنطق والتحليل والأفكار، دون أن يكون هدفه الرئيسي بناء أطروحة فكرية صادمة أو طرح أسئلة استفزازية.
على الرغم من اختلاف الأدوار بين الاثنين، فإن البعض يصر على طرح السؤال الخاطئ: من الأفضل؟ النيهوم أم الحصادي؟ هذا السؤال، بكل بساطة، يعبر عن أزمة في فهمنا لدور المثقف والباحث في المجتمع.
في الحقيقة، تكمن المشكلة في ثلاثة أوهام رئيسة:
الأول هو وهم المقارنة المطلقة، حيث نصر على مقارنة مفكر نقدي مثل النيهوم، دوره طرح الأسئلة والإشكاليات، بباحث أكاديمي مثل الحصادي، مهمته تأسيس معرفة منظمة ومرجعية. وكأننا نقارن رساما تشكيليا بطبيب جراح، دون أن ندرك أن لكل منهما وظيفته الضرورية.
الثاني هو وهم القمة الواحدة، الذي يجعلنا نتخيل الثقافة كميدان لا يتسع إلا لفائز واحد، أو كصراع لا ينجح فيه إلا (بطل) وحيد، بينما الثقافة بطبيعتها متعددة الأصوات والأدوار والمساحات.
أما الوهم الثالث فهو وهم التفاضل، إذ نفترض أن القيمة تأتي فقط إما من خلال إثارة الجدل أو طرح الأسئلة، أو أن القيمة تأتي من التأسيس الأكاديمي والبحث المنهجي الدقيق الذي يمنح الأفكار النقدية أرضا متينة تقف عليها.
نحن بحاجة ماسة إلى تجاوز هذه الثنائية، والإيمان بالتكامل بين المثقف النقدي والباحث الأكاديمي. ما قدمه النيهوم من نقد وأفكار جريئة لا يمكن أن يعيش ويتجذر دون الأسس البحثية المتينة التي يضعها أمثال الحصادي. وما يؤسسه الحصادي أكاديميا لا يصل إلى مداه الأبعد من دون رؤى نقدية تعيد طرح الأسئلة على الموروث.
إن المقارنة بين النيهوم والحصادي يجب أن تكون احتفاء بالتنوع وليس محاولة للتفريق أو المفاضلة. كلاهما ساهم بطريقته في بناء المشهد الثقافي العربي، ولا يمكن اختصار القيمة المعرفية في اسم أو منهج واحد.
اليوم نحتاج إلى أن ندرك بأن الثقافة ليست بطولة فردية، بل هي مشروع جماعي، غني بتعدده، وقوي بتكامله. هذا هو الفضاء الثقافي الذي يجب أن نعمل من أجله: فضاء يعترف بأهمية كل الأدوار، ويخرج من وهم التفاضل إلى رحابة التكامل والتنوع.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات