Atwasat

صاحب دولة الخيمة تحت المشرط

جمعة بوكليب الأربعاء 25 يونيو 2025, 05:15 مساء
جمعة بوكليب

السيرة السياسية أنواع. ثمة سيرة يكتبها السياسي عن نفسه وأخرى يكتبها غيره عنه. في اللغة الإنجليزية يسمون الأولى (أوتوبيوغرافي- Autobiography) تمييزا لها عن الثانية المسماة (بيوغرافي-Biography).

لم أكن في الماضي مهتما بقراءة سير السياسيين. بدأت العلاقة في جامعة «ردينغ». هناك في مكتبتها الضخمة عثرت على كنز من سير كتبها سياسيون وأكاديميون وبحاثة وصحفيون وروائيون. أكثر السير استقطابا لاهتمامي كانت ولا تزال تلك التي لم يحظَ فيها مؤلفها بموافقة السياسي موضوع السيرة لأسباب عديدة، أو لم يعبأ أصلا بطلبها. كما فعل الكاتب التونسي الصافي سعيد حين نشر كتابه: «سيرة شبه محرمة» تناول فيها سيرة خصمه الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة. في تلك السير خصوصا، يجد القارئ نفسه مستغرقا في متابعة لعبة لا تختلف عن مطاردة بين قط وفأر. ما يعيب هذه السير الأخيرة، أن المؤلف لا يجد منافذ إلى العديد من الوثائق المهمة المحجوبة في أدراج الشخص موضوع السيرة، مثل المراسلات الشخصية، على سبيل المثال لا الحصر.

كتابة المذكرات تصنف هي الأخرى تحت بند السيرة السياسية، ومثالها ما فعله الصديق الكاتب والسياسي عبد الرحمن شلقم في كتابه المعنون (سنواتي - مذكرات)، وخصصه للحديث عن ذكرياته في العمل السياسي كوزير للخارجية الليبية، وسفيرا في روما، وممثلا لليبيا في الأمم المتحدة.

هناك أيضا السيرة السياسية الروائية حيث يتبادل الواقع والخيال الأدوار. الروائية التونسية أميرة غنيم لجأت أخيرا إلى كتابة ونشر ثلاث سير روائية لثلاث شخصيات تونسية مهمة الأولى خصصتها للحديث عن الشيخ الطاهر الحداد، والثانية عن وسيلة بن عمار، زوج الحبيب بورقيبة، والثالثة للرئيس بورقيبة نفسه. السيرة الروائية مميزة لأنها وإن اعتمدت على وقائع التاريخ تظل من إبداع الخيال. كون الروائي يلجأ في العادة إلى الخيال لملء الفراغات التي تركها المؤرخون.

ثمة أيضا السيرة الصحفية، التي يكتبها صحفيون. وهي تختلف عن غيرها كونها، في آراء المختصين، تركز في العادة على الجوانب الأكثر إثارة للاهتمام أو الجدال في حياة السياسي. وفي أغلب الأحوال تلجأ إلى الاعتماد على المصادر الداخلية والتسريبات، وتسعى عادة إلى الكشف عن زوايا وجوانب في حياة السياسي الذي تتناوله غير معروفة للجمهور. هذه المواصفات يجدها القارئ متحققة في السيرة الصحفية التي كتبها مجاهد البوسيفي عن القذافي، تحت عنوان: «دولة الخيمة- سيرة صحفية للقذافي». والصادرة العام 2021، عن داري نشر الضفاف اللبنانية والاختلاف الجزائرية. وقد أحسن المؤلف صنعا بحرصه على توصيف كتابه بسيرة صحفية. لأن المواصفات المذكورة أعلاه للسيرة الصحفية يجدها القارئ مجسدة في صفحات الكتاب البالغة 328 صفحة.

مجاهد البوسيفي ليس غريبا عن الساحة الإعلامية والثقافية الليبية، ويؤسفني أنني لم أقرأ له من قبل سوى رواية أصدرها خلال الأعوام الماضية. عدم اطلاعي على بقية مؤلفاته، يحسب ضدي شخصيا، ولا ينقص من قيمته ككاتب صحفي وشاعر وإعلامي بارز.

سيرة مجاهد البوسيفي عن القذافي سبقت في الظهور ما نشره عبد الرحمن شلقم في مذكراته. والاثنان يكملان بعضهما، بمعنى أن الخط الذي انتهجه البوسيفي يسير في اتجاه معاكس لخط سير شلقم، وبذلك تتاح للقارئ فرصة التعرف على وجهي العُملة. لهذا السبب قلت إن الكتابين يكملان بعضهما. والأفضل للقارئ قراءة الاثنين معا لكي تتضح لديه صورة القذافي، التقطت من زاويتي نظر مختلفتين.

ما يميز البوسيفي أنه يصغر القذافي بربع قرن. أي أنه ولد وكبر وتعلم وعاش في حقبة القذافي. وهذا مهم، لأن البوسيفي، في رأيي، أراد من كتابة سيرة القذافي تصفية حساب مع رجل سرق منه طفولته وصباه ومراهقته وشبابه، وطعم البهجة والفرح. ربما لذلك السبب، حرص مجاهد على وضعه تحت مشرطه، من خلال تتبع ورصد مراحل سيرة القذافي، وفعل ذلك بعزم وتصميم شخص موتور يتتبع أثر من اغتال بهجة حياته. ذلك السبب تحديدا لم يترك مجالا ولو لبذرة واحدة من تعاطف مع موضوع كتابه.

السيرة كتبت بأسلوب صحفي مشوق، ومن خلاله سعى المؤلف مستعينا بمصادره العديدة وتجاربه الشخصية وعلاقاته الواسعة إلى كشف الأغطية العديدة التي كانت تحجب عن الليبيين والعالم شخصية أمين القومية العربية وملك ملوك أفريقيا والقائد والمفكر، والدوافع التي كانت تحركه، والشخصيات التي تركت بصماتها على تفكيره.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»