منذ أن أعلنت منظمة الأمم المتحدة قرار إنشاء دولة الكيان الصهيوني، حاول سكان الأرض ومحيطهم العربي التصدي لهذا المشروع الناشز، ووصفوه بـ«العصابات الصهيونية» و«الورم الخبيث» و«دولة الشر» إلى آخر التسميات، واعتبر حاضنو هذه الدولة المنشأة وقتها الرافضين لقيام هذا الكيان عنصريين ومعادين للسامية.. إلخ. غير أنه يتضح بعد عقود أن كل تلك التوصيفات كانت حقيقية، وتنبع من قراءة هذه الظاهرة الخطيرة على المنطقة والسلم العالمي، وتنطلق هذه القراءة من معرفة تاريخ المتشددين من اليهود حيثما حلوا، وما يثيرونه من متاعب وفتن ومؤامرات، وكان هذا في زمن ضعفهم وعيشهم في كنف دول أخرى، فما بالك حين يؤسسون دولة نووية محمية بالقوى الكبرى، ومدججة بالأسلحة الفتاكة.
هذا التشدد والولع بإثارة المشاكل أينما حلوا كان وراء ما تعرضوا له من اضطهاد وكراهية، ودفع للأسف الكثير من اليهود المعتدلين والساعين للتعايش مع مجتمعاتهم ثمنه مراراً، وسيظلون يدفعون هذا الثمن، لأن نخبتهم التلمودية لا تفعل سوى ما يجلب الكراهية عبر الأجيال، ثم الانتقام، وهذا هو تاريخ هذه العقيدة المحكوم عليها إلهيا بـ«التيه الأبدي»، وهو حكم يجعل من المؤمنين منهم بهذا القدر أو العقاب الإلهي ضد مشروع دولة الكيان، وضد أن تكون لهم جغرافيا، وكل هذا يرد في نصوصهم الدينية وتفسيراتهم وتراثهم الروحي بأكمله.
غير أن أصحاب مشروع دولة «إسرائيل» أو مؤسسي الصهيونية كانوا في الواقع ممن يسمون «اليهود الخزر»، وهي الحالة الاستثنائية التي اعتنق فيها أوروبيون الدين اليهودي، الذي هو في جوهره دين وراثي أمومي مرتبط بجينات الأم، وهو الخلل الجيني الذي سيجعل من يهود الحريديم حتى الآن مكفرين للساسة الذين قادوا هذا الكيان منذ نشأته، وغير ممتثلين لسلطتهم، ورافضين التجنيد في مؤسساتهم العسكرية، ليس لأنهم علمانيون فقط، ولكن بسبب الشك في أصولهم الجينية اليهودية التي هي أساس العقيدة والانتماء إليها، حيث العرق اليهودي النقي هو أساس هذه العقيدة/القومية، الذي أصبح من الممكن التأكد منه عبر مختبرات الأحماض النووية الجديدة.
والحريديم يشكلون قنبلة داخل النسيج الصهيوني قد تنفجر في أي يوم، لأن أفكارهم وعقائدهم واستراتيجياتهم وتصورهم لتطبيق الشريعة التوراتية تختلف تماماً عن كل ما طرحه ويطرحه ساسة هذا الكيان.
ومن اللافت أن دولة إسرائيل حتى الآن دون دستور، حيث تعمل وفق قوانين داخلية مؤقتة، والسبب، لأن الدستور يحتاج إلى قانون جنسية، وحتى الآن لم يكتب هذا القانون، والسبب مرة أخرى لأن قانون الجنسية «الإسرائيلية» يتطلب التأكد أولا من الانتماء الجيني لهذا العرق الديني أو الدين العرقي، وهذا التدقيق لن ينطبق على يهود الخزر وسلالتهم التي تحكم إسرائيل الآن.
ومثلما تٌرك أمر حدود الدولة مفتوحا، تُرِك أمر الجنسية مفتوحاً إلى حين، ما يجعل هذا الكيان فعلا مثل ورم خبيث ينمو من خلال اختلال مزمن وضد الطبيعة وعبر تناقضات حادة، من استخدام أحدث التقنيات في خدمة الخرافات، والاستعراض الديمقراطي لدولة جوهرها فاشي بما يشبه ديمقراطية ألمانيا في بدايات القرن العشرين التي تمخضت في النهاية عن فوز الحزب النازي، وصعود نجم هتلر.
بالإضافة إلى ما سبق ذكره من اختلافات جذرية في تفسير طبيعة الدولة اليهودية من تضارب بين علمانية وتطبيق شريعة، وعقيدة تعتبر مشروع الدولة نفسه ضد مشيئة الرب، فإن كل هذه التناقضات البنيوية ستؤدي في النهاية إلى تآكل هذا الكيان المصطنع من الداخل فور أن تتخلص من التهديدات التي تجعل مثل هذا الصراع الذي قد يكون دمويا مؤجلاً.
مجرد قولنا إنشاء دولة إسرائيل، يتعارض الفعل «أنشأ» أو المصدر «إنشاء» مع طبائع تشكل الدول والهويات الوطنية عبر التاريخ، حيث لا يمكن صناعة هوية شاملة ضمن دولة عن طريق قرار تصدره مؤسسة.
والنتيجة جسم فاشي بكل هذا التضادات الجذرية في تكوينه سيلاحقه هلع تاريخي، وفزع من أي محيط عاش فيه، لتكون ردة فعله التوحش تجاه الآخرين فور أن يكتسب القوة، لأن الهلع هو ما يؤدي إلى وحشية ردود الأفعال وليس الشجاعة، ودائما المعتدلون منهم يدفعون الثمن، لأن الفاشيات -للأسف- لا تفرق بين جانٍ وبريء حين تتوجه بالحقد إلى عرق معين.
لذا فعلت النازية مع اليهود ما تفعله الصهيونية الآن مع الفلسطينيين، وفكرة العقاب الجماعي استلهموها تماما من هتلر وثقافة الرايخ التي لم تفرق بين اليهود الذين اتهِموا بالتسبب في هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وبين اليهود المتعايشين الذين كانوا من الممكن أن يسهموا في بناء ألمانيا في كل المجالات، من الفيزياء إلى الفن، وما بينهما.
وبما يشبه تماما ملاحقة الرايخ النازي علماء الفيزياء اليهود الذين قتلت بعضهم، والناجون منهم فروا إلى الولايات المتحدة، تَشكَّلَ في إسرائيل العام 2024 ما سموه «منتدى قطع الرؤوس»، وهي مجموعة من عشرين ضابطاً مهمتها رصد علماء الفيزياء واغتيالهم أينما كانوا، وهي حلقة في سلسلة طويلة ممن اغتالتهم أيادي الصهيونية عبر عقود من مختصين في الفيزياء من فلسطينيين في المخيمات، ومن اللبنانيين والعراقيين وغيرهم، وهي تعيش هذا الوسواس القهري نتيجة عقدها التاريخية، وتبرر كل ذلك بكونه دفاعاً عن النفس، وتوافقها الدول الغربية في هذا الوسواس، وتعطي هذا الكيان حق ضرب أي تهديد له.
ولو طُبِّق هذا المنحى في العالم لتحول كله إلى جحيم حروب، لأن كل دولة فوق الأرض ترى أو تتوهم في دولة أو دول أخرى أو أشخاص ما تهديداً لها، وهذا الرهاب الصهيوني تحول إلى حالة مَرَضية حتى من طالب في الشرق الأوسط يدرس الفيزياء، كمن يعيش رهاب الهواء ويغتاله خوفاً من أن يتحول يوماً ما إلى عاصفة.
من جهته، يكرر بنيامين نتنياهو حديثه عن الشرق الأوسط الجديد الذي يَضرب ويقتل ويغتال في كل مكان من أجله، وهو شرق أوسط جديد ستكون فيه إسرائيل الدولة المحورية. والكيان الصهيوني لا يرى الآن أي عقبة أمام هذا الحلم بالهيمنة التامة على الإقليم سوى إيران. وإذا ما افترضنا أنه فرغ (بمساعدة أمريكا) منها، فسيلتفت إلى كل الدول الأخرى في محيطه، فهو كما لا يسمح بدولة نووية أخرى في هذه المنطقة، لن يسمح بأي قوة اقتصادية أو دولة لها نفوذ أو لوبي عالمي، لتصبح ما تُسمى «إسرائيل» القوة العسكرية والاقتصادية الوحيدة في الإقليم، ولن ينجو من هذا الاستهداف حتى الدول التي حاولت أن تحتمي بالتطبيع مع الكيان، لأنه فور أن يسقط آخر معاقل المقاومة العسكرية في إيران، ستحل سياسة التطويع بدل التطبيع.
وبعض المحللين الصهاينة تحدثوا عن خطورة الاستثمارات الخليجية الكبرى في الولايات المتحدة التي قد تتحول إلى لوبي ضخم يلتهم اللوبي الصهيوني المتحكم في سياسات أمريكا، ما يهدد ــ مثله مثل النووي ــ وجود الدولة الإسرائيلية كما يقولون، خصوصاً مع بداية سطوع الظاهرة الترامبية التي يبدو أنها ستستمر فترة أطول عبر ورثة هذه الظاهرة الشعبوية.
ومشكلة هذه الظاهرة التي يمثلها ترامب بالنسبة للكيان الصهيوني أنها تقيس العلاقات بالمصالح المباشرة، ومن خلال هذه المصالح الضخمة ستحدد مستقبلاً حلفاءها الحقيقيين في المنطقة، بمعنى أنها سوف تصل إلى المرحلة التي لم تعد فيها ترغب بحليف تصرف عليه، ولكن حلفاء يصرفون عليها، ومن هذا المنطلق ستُرسم استراتيجية الكيان الصهيوني العسكرية في المستقبل من أجل ضرب أي قوة تعتقد أنها تهدد وجودها في المنطقة، سواء أكانت قوة خشنة أم قوة ناعمة.
ما تُسمى «إسرائيل» تعاني عقدة جغرافيتها الصغيرة وتاريخها القصير، وهذا التاريخ الصغير عبارة عن سردية من المؤامرات والمجازر التي ارتكبتها منذ الأيام الأولى لإنشائها، وجغرافيتها الصغيرة مكتظة بالتحصينات والمستوطنات التي تبدو شاذة حتى وفق مفهوم اللاندسكيب العمراني، وتتناقض حتى مع شكل الأرض والمحيط، وغالبا ما تؤدي مثل هذه العُقد إلى الحروب على الحضارات العريقة وآثارها فوق الأرض، وما يخبرنا به التاريخ أن أسلحة الحضارة أبطأ من أسلحة الغزاة، لكنها تنتصر في النهاية.
ولإسرائيل كعصابات من الغزاة ذاهبة إلى حتفها عبر هذا النهم في الحروب والقتل والاغتيال، ولكنها لن تنتهي إلا بعد أن تترك خلفها دماراً وحقداً ودماً كثيراً مثلما فعلت ممالكها التي قامت على مر التاريخ وفق هذا النهم، ثم كانت تختفي من الجغرافيا والتاريخ لقرون.
وعلى الرغم من أنها تحاول أن تتلافى أخطاء الماضي، فإن الطبع يغلب التطبع، وإن الخطأ الذي ترتكبه كما ارتكبته ممالكها الغابرة اعتقادها أن القوة والقسوة والقتل الجماعي واغتيال العقول هي السبيل الوحيد لوجودها، وما يفعله نتنياهو وزبانيته من الإرهابيين يعزز -للأسف- مشاعر اللاسامية، لكن علينا دائما أن نفرق بين الصهيونية الفاشية واليهودية المعتدلة التي تعارض هذه الفاشية، وأن نفرق بين «منتدى قطع الرؤوس» ومنتديات السلام والتعايش، التي يقيمها اليهود المعتدلون في أماكن كثيرة من العالم.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات