لم أتقبل تماما سلوك الناس الذين يهبون بسخاء، ويقتنصون الفرص للعطاء! أقصد بعدم القبول لهذا الأمر، هو عدم تفهمي لهذا السلوك أو بمعنى أدق، عدم وقوفي تماما على دوافعه، خصوصا عندما يتجاوز حد المتعارف عليه كأن يوهب عمل خيري جبار لمن يستحقونه وهم بعيدون عن حيز معيشته.
ولقد وقفت، مثلا، على تبرع بتوفير مصادر لمياه الشرب لبشر، يعيشون بعيدا عن بلادنا، يستحقونها بالفعل، إن لم يكن بسبب الأخوة في الإنسانية هم أخوة في الدين.
أفعال خيرية كثيرة تتم بسرية تامة وكأنها أعمال معيبة وهي فعلا أعمال إنسانية رائعة تتم بدرجة أن أصابع كف واحدة لا ترى ما فعلت السبابة والإبهام! أو ناس يتسلمون تذاكر ومصاريف سفرهم لأداء فريضة الحج، ولا يعرفون من سددها، وقد تصلهم، وهم ينتقدون بشراسة من قاموا بهذا العمل!
أنا عشت حالات لا تختلف كثيرا عما سردت، ولأنني أعرف الفاعل، وأعرف أنه فترة من الفترات عانى من ضيق ذات اليد، وأعرف أنه يقوم بهذا العمل الإنساني الخير وكله قناعة صادقة لا رياء فيها، بل هي بالتأكيد كله من أجل الله والإنسانية، ولا يخالجني شك في صدق نواياهم، لأنني أعرف، تماما، عمق الجانب الإنساني في حياتهم، وأعرف أنه قلما يجده المرء في ناس آخرين خيرين، ومؤمنين صادقين.
في حين أعرف كثيرين، هم من قال عنهم المتنبي: «ولم أَرَ في عيوبِ الناسِ عيبًا كنقص القادرين على التمامِ..».
ولكن حيرتي وأفكاري التي تشطح، أحيانا، بعيدا توارت مذعورة من حقائق بسيطة من إجابات أسئلة قد تبدو تافهة، ولكن تأملها بعقل الباحث الإنساني سيجد تفسيرها، باختصار شديد، لسؤال بسيط للغاية خلاصته أننا كبشر، في الغالب نحب العطاء، فما الذي يجعل القبول صعبا علينا؟ سواء أكان لنا أو لغيرنا عندما يوهب من إنسان لا غاية له من العطاء سوى قناعته بهذا السلوك المبارك؟
سوف ألخص لكم فلسفة بسيطة غايتها الإجابة عن السؤال الذي طرحته، وبالتأكيد الأمر متروك لكم أن تقتنعوا به، أو لا تقتنعوا، أو قد تقبلونه ولكن تلحقونها، كالعادة، بالكلمة التي اخترتها عنوانا لهذا الموضوع، التي كثيرا ما أفسدت النوايا الطيبة، فتقولون: «إن ما تقوله كلام منطقي.. ولكن..» حينها لن نصل إلى توافق مقنع!
دعوني أولا ألخص لكم فكرة: «أن تعطي بلطف وأن تأخذ بفرح..» والتي أعتقد أنها ستلخص لكم الفكرة. كان ابن جار لي، قد تعلم تركيب وتعديل منصات الاستقبال التلفزيوني قبل سيطرة النت على الإرسال التلفزيوني! وكنت أعرف أنه امتهن هذه الهواية بعدما تمكن من فنونها، واحتجت إليه بعدما أخبرني صديق بمهارته، وبالفعل أنجز المهمة بود وسرعة ودقة، وشكرته وكنت قد اشتريت (ريسيفر) جديدا ظنا مني أن القديم هو سبب المشكلة، وبعدما أصلح الخلل.
وأفادني أن الريسيفر القديم أفضل من الذي اشتريته، قررت أن أعطيه له لعله يستفيد منه أو يبيعه ولما تردد في قبوله أقنعته فأخذه، بعد إلحاح، وبعدما غادر فكرت أنه قد تكون أتعابه أعلى من قيمة الريسيفر، فوضعت مبلغا في مظروف وأرسلته له مع ابني، فجاءني غاضبا وأخبرني أنه يتعامل معنا على أساس أننا جيران وأن ما قام به، واجب أعاد (الريسيفر) والمظروف، ولم ينتظر تبريرا لما فعلته. في المساء ذهبت إلى والده، وبدا لي أنه غاضب مما فعلته، وأفنيت ساعة أو أكثر حتى أقنعته بفعلتي وأبديت له أسفى.
وأكدت له أن غايتي إبداء امتناني له، وأيضا تشجيعه، فلقد ظننت أنه تخصص في هذه المهنة، فأجابني: «صحيح أنه أحب هذه المهنة وابتاع عنها كتبا وتعلم منها... ولكن!» هذه - الـ(لكن) - التي كنت قد عرفت مغبتها وقدرتها على إفساد النقاش، فقررت عدم تبرير ما حدث.
ثم اعتذرت فيما بعد لجاري وصديق والده، فتفهم المشكلة، وتبسم متعاطفا معي، قابلا لوجهة نظري، مؤكدا أن الحق معي، ثم وصل إلى لكن! عندها «هززت رأسي..» موافقا على كل يقوله، فلقد خشيت أن يطول الحديث، وتفوتني حلقة تلفزيونية اقترب موعدها! لكن قد يكون لنا نقاش آخر في يوم آخر! وإن شاء الله خير!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات