Atwasat

الخرافة وأنماط الإنتاج

عمر الكدي الإثنين 19 مايو 2025, 05:50 مساء
عمر الكدي

لا يمكن إهمال أي شيء في دراسة التاريخ والهوية، بما في ذلك الفلكلور، بما فيه من أساطير وخرافات تبدو للقارئ المستعجل مجرد حكاية خيالية مسلية للأطفال، أو ضربا من ضروب التربية التي تحث الطفل على تجنب الكذب والامتناع عن السرقة، أو لتخويفه من الغولة وعزوز القايلة، حتى يحظى أهله بقيلولة هادئة. وقد نجد في الخرافة ما لا نجده في الثقافة العالمة التي عادة ما تميل إلى الادعاء، وأحيانا للكذب والتزوير، لأسباب سياسية أو دينية أو قبلية وعرقية، لأننا نجد في الخرافة اللاشعور الجمعي للشعوب أكثر من الثقافة العالمة، التي تطمس عمدا هذا اللاشعور.

في خرافة «أم بسيسي» نجد أنماط الإنتاج متجاورة ومتداخلة، وإذا قارنا هذه الحكاية مع خرافة «أمك سيسي» التونسية سنجد التشابه والاختلاف بين أنماط الإنتاج في تونس والغرب الليبي. تتشابه الخرافتان وتختلفان، ولكنهما تتفقان على أن «أم بسيسي» أو «أمك سيسي» هي طائر السنونو، المعروف في ليبيا باسم طائر الخطاف أو الخطيفة، وهو طائر مهاجر يظهر بكثرة على شواطيء طرابلس فوق الميناء في الخريف، ويقوم باستعراضات مبهرة فوق السرايا الحمراء وميدان الشهداء، فهو طائر يفضل البقاء قرب البحر خلال هجرته من أوروبا، حيث يضع بيضه في الصيف، إلى أفريقيا، حيث يمضي أغلب السنة.

في الخرافة الليبية يطلب الفأر الغربال من «أم بسيسي»، وعندما يدخل ليحمل الغربال من فوق إناء به حليب يشرب شيئا من الحليب ويمسح شاربا وينسى مسح الثاني، فتضبطه «أم بسيسي» وتقطع ذيله، ويخرج في رحلة طويلة لاستعادة ذيله المقطوع، حتى يرقص به في العيد. أما في الخرافة التونسية فيتحول الفأر إلى قط، وبدلا من الحليب يجد فطيرة بالعسل ويأكلها، لتقطع أمك سيسي ذيله، فيخرج في رحلة طويلة، لاستعادة ذيله ليرقص به في العيد، ويستطعم شحم القديد. القط في المخيال الشعبي صديق الفلاح، واستأنسه منذ اكتشاف الزراعة، ليحمي مخازن الحبوب من عدوه وعدو الفلاح، الفأر.

فجأة يتحول الفار إلى صديق في ليبيا، يدخل البيوت ويستعير الغربال، وربما هذا يرجع إلى الاختلاف في طرق تخزين الحبوب بين الريف التونسي والليبي، فالفلاح في الريف الليبي يخزن حبوبه في المطامير، أو في مخازن مبنية من الحجر مقسمة إلى عدد كبير من الغرف تُسمى «القصور»، ولا يزال بعض منها في قرى الجبل الغربي، بينما يخزن الفلاح التونسي حبوبه في مخازن ممكن أن يصل إليها الفار، بينما المطامير تحمي الحبوب من الفئران، لهذا فالفلاح التونسي في حاجة إلى القط أكثر من الفلاح الليبي.

تبدو السلسلة التي يقطعها القط التونسي أطول من الفار الليبي، والسبب هو كثرة المهن في المدن التونسية مقارنة بالمدن الليبية، ففي الخرافة التونسية تطلب «أمك سيسي» العنب بدلا من الحليب لتعيد الذيل المقطوع، بينما في الخرافة الليبية تطلب الحليب (السن بالسن والعين بالعين)، وربما هذا يفسر أن حجم التبادل أوسع في الريف التونسي، فليس بالضرورة أن يعيد القط الحليب أو الفطيرة التي أكلها. وفي رواية أخرى، تطلب أم سيسي من القط إحضار سمن من البقال، فيطلب البقال لبنا، فيذهب القط للبقرة ليحضر اللبن، فتطلب البقرة عشبا، فيذهب إلى الحقل الذي يطلب ماء من العين.

ولأن الخرافة تتغير من مكان إلى آخر حسب نمط الإنتاج السائد، ففي المدن تطلب العين من القط أن يحضر الطبال ليطربها فتعطيه الماء، ولكن الطبال يطلب عصا من النجار، والنجار يطلب منشارا من الحداد، والحداد يطلب فحما لكيره، فيذهب القط إلى الفحام يطلب فحما للحداد، فيطلب الفحام حطبا من الزيتونة، التي تطلب من القط أن يحضر العم سعد صاحب الزيتونة لتعطيه الحطب، فيطلب منه العم سعد أن يعده بعدم العودة إلى السرقة، وهكذا تنتهي القصة.

بينما في الخرافة الليبية يذهب الفار إلى العنز يطلب منها الحليب، فتطلب العنز النبق من السدرة، التي تطلب ماء من الوادي، والوادي يطلب الزغراتات، فيذهب الفار إلى النجع يطلب الزغراتات، ولكن النجع يطلب خروفا من الراعي، والراعي يطلب عصا من الخروبة، التي تطلب جروا من الكلبة، التي تطلب سلا من الفرس، التي تطلب سنابل من الحصادة، الذين يطلبون منجلا من الحداد، الذي يطلب نارا من البيت، فيحن أهل البيت على الفأر ويعطونه نارا، ليعود في رحلة رتيبة حتى يستعيد ذيله المقطوع.

الرتابة والإعادة مقصودتان في الخرافتين الليبية والتونسية، فوظيفتهما تنويم الأطفال. إنها أشبه بُعد الخراف قبل النوم. أما وظيفتهما التربوية فإظهار مساويء الكذب والسرقة. وحتى تكون القصة مقنعة لابد من شخصيات موجودة بالفعل في الواقع، لهذا كانت القصة الليبية أكثر تقشفا من القصة التونسية، فالمهن في الريف الليبي أقل من الريف التونسي. ففي الريف الليبي قد تجد حدادا واحدا في القرية، ولكن لا يوجد نجار واحد إلا في المدينة، والمدينة عادة بعيدة لذلك لم يظهر النجار في الحكاية الليبية، وظهرت بدلا منه الخروبة الموجودة في الريف الليبي بوفرة. كما أن السدرة لا تظهر في القصة التونسية بينما تظهر في القصة الليبية، وبدلا من الطبال في القصة التونسية تظهر الزغراتات في القصة الليبية، وحتى في تونس تتغير القصة من مكان إلى آخر حسب نمط الإنتاج السائد.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»