Atwasat

الاحتباس الأخلاقي أخطر من الاحتباس الحراري

سالم العوكلي الثلاثاء 13 مايو 2025, 02:37 مساء
سالم العوكلي

«الغارات الإسرائيلية تسفر عن قتل (عدد كذا) في الأربع وعشرين ساعة الماضية في مناطق مختلفة من غزة». هذا خبر يتكرر في القنوات الإخبارية كل أربع وعشرين ساعة، و (العدد كذا) يساوي في حده الأدنى عشرات من القتلى، وقد يتجاوز المائة، وأحيانا يصل إلى 200، والضحايا جميعهم من المدنيين معظمهم من النساء والأطفال، وهذه الغارات تُشن غالبًا على خيام النازحين ومدارس الإيواء والمستشفيات والمطاعم والأسواق.

كل صباح أطالع هذا الخبر على شريط الأخبار في القنوات العربية التي تحولت منذ أكثر من عام ونصف إلى مراكز إحصاء يومي لضحايا شعب غزة، وجعلت من هذه المأساة العظيمة ملحمة قتل تُنقل مباشرة إلى المشاهدين مثلي الذين لا حول ولا قوة لهم، وهذا النقل أو التكرار للفاجعة يرى بعض خبراء علم النفس بكونه أسلوبًا للتعود من شأنه أن يفضي إلى التكيف مع آلام هذه الحرب، وتدفق الصور والمقاطع على مدار الساعة من شأنه أن يجعل من الجريمة عرضًا شبيها بعرض الإعلانات التجارية الممل، ومع تكرار العرض يخف الغضب وتتراجع الانفعالات إلى حدها الأدنى.

لقد كانت في زمن الحروب ما قبل التلفزيون صورةٌ واحد بالأبيض والأسود في جريدة تحرك الضمائر في كل مكان، غير أن الميديا الآن تلعب دورها المقصود، أو غير المقصود، من أجل قتل المشاعر بالتكرار الذي يثير الوجد أكثر مما يؤجج الغضب. وحرصا على المهنية، كما تدعي بعض القنوات المهيمنة الآن على الفضاء الإخباري العربي، يستضاف شخصان، أحدهما يحاول أن يدين اعتداءات الكيان الصهيوني، وأحدهما صهيوني يدافع عن حكومته، غير أن اختيار هذه الشخصيات غالبًا لا يكون منصفا ولا عادلًا، ويظهر فيها المتعاطف مع الفلسطينيين ضعيفا أمام ضيف صهيوني محنك ومختارٍ بعناية، لدرجة أن أي محايد أو متشكك سينحاز للثاني وهو يدافع عن الجريمة كما يرافع محامٍ خبير عن قاتل متسلسل.

ويظلّ البحث عن السبق المثير، حلبة وسائل الإعلام التي لا يعنيها ما تثيره من انفعالات وعنصرية وتأجيج عواطف متطرّفة في حمّى تسابقها على الجمهور، فاللعبة مقيدة باعتبارات أخرى أبعد ما تكون عن المعرفة وعن النزاهة، ويصبح فنّ حجب المعلومات أو لعبة المنع بواسطة العرض عمادَ سياسة هذا الإعلام المسيطر الذي تديره من خلف الكواليس قوى اقتصادية وسياسية كبرى، استبدلت تلك المناشير التي تلقيها من الطائرات على الناس بجهازٍ أنيق في كلّ بيت، تعتقد أنك تتلاعب به بينما هو يتلاعب بك.

وللأسف تُختزل مأساة إنسانية لم تشهد الحروب مثلها في عناوين مضللة من شأنها أن تشتت الانتباه عما يحدث حقيقةً فوق الأرض، عبر التركيز على حركة حماس أو كونها مصنفة إرهابية، أو بالتوقف عند أحداث السابع من أكتوبر والاتفاق على أن ما حدث بعدها يقع تحت العقاب الضروري، حيث المقاييس العنصرية تعتبر قتل عشرات الألوف من سكان غزة مكافئًا لاعتقال أو قتل العشرات من الصهاينة، بما يعيد نظرية الثأر الوحشية القديمة التي لا تتوقف عند حد من التشفي.

وعبر إدماج هذه المعادلات المختلة في ثنايا جريمة لا تقل عن جرائم الهولوكست ضد اليهود والملونين والشيوعيين والغجر، يصبح القاتل ضحية بالفطرة والمقتول جانيًا بالمطلق، والفارق أن جرائم الهولوكست وقعت إبان حرب عالمية شرسة فتكت بعشرات الملايين من كل الأجناس، وقبل اختراع التلفزيون، وقبل تأسيس منظمة الأمم المتحدة وما انبثق عنها من مؤسسات وقوانين تحمي الضحايا، ورغم ذلك كان النازيون يحاولون أن يخفوا جرائمهم عن الأنظار أو الرأي العام، بينما هذه النازية الجديدة التي تقودها الحكومة الصهيونية اليمينية المتطرفة لا يراودها حتى شعور بالخجل مما ترتكبه من محارق، بل تتبجح علنا بجرائمها، وحتى جنودها يوثقون بالصور والمقاطع ما يرتكبونه من فظاعات في حق الأطفال والمعاقين والعجائز، وما يقنصونه من أطفال في المسالك بين ركام بيوتهم، ويقصفون حتى مقرات الأمم المتحدة دون أن يعيروا أهمية للمنظمة التي شرعت، في غفلة من الزمن والضمير، لوجودهم كدولة فاشية على أرض فلسطين، مثل من يصنع قنبلة موقوتة ثم يفقد التحكم فيها، وأصبحت هذه المنظمة؛ التي كان الهدف منها إيقاف الحروب، مثل أي جمعية حقوقية لا تملك سوى أن تعبر عن القلق والإدانة.

أما الجانب العنصري من هذه الجريمة فيظهر جليا في تصريحات ترامب وحكام بعض الدول المتغنية بالعدالة والسلام، والتي لا تركز سوى على من تسميهم الرهائن داخل غزة، أو الواحد وعشرين متبقيا من هؤلاء الرهائن، ولا يلتفتون حتى من باب المجاملة إلى عشرات الألوف من المدنيين المقتولين، معظمهم من النساء والأطفال، ولا الألوف الآخرين من الضحايا الذين ما زالت أجسادهم تحت الأنقاض، فضلا عن حالة الحصار الكامل والتجويع ومنع دخول أي أطعمة أو أدوية أو مساعدات لمجتمع كامل يدور في أرضه الصغيرة هروبا من جحيم القصف، وحيثما حل هؤلاء المدنيون في ملاذ أو مأوى يتبعهم القصف حتى في الخيام.

لقد مر العالم بحروب مريرة لكنه لم يشهد حربًا بهذا الانحطاط الأخلاقي، حيث القتل الممنهج للمدنيين الذين بدأت ضحاياهم تُحصى بمعدل كل أربع وعشرين ساعة، وليس كل شهر أو كل أسبوع، خصوصا أن ترامب وبمجرد وصوله إلى البيت الأبيض أعطى الضوء الأخضر لحرب الإبادة هذه بحديثه عن مشروع الريفيرا في غزة بعد تنظيفها من العوائق كما قال، وحديثه عن ضغطه على دول أخرى لتستقبل سكان غزة المطرودين من أرضهم، وهي تصريحات لم تكن تتوقعها حتى حكومة الشر الصهيونية، حيث مُنِحت صكًا على بياض لاستئناف حرب الإبادة بعد أن وعد ترامب ناخبيه من العرب والمسلمين في الولايات المتحدة بإيقاف الحرب في غزة، ومشوا خلف وعوده وانتخبوه بكل سذاجة رغم أنه الرئيس الأمريكي الوحيد الذي نقل سفارته إلى القدس.

مأساة غزة ليست مجرد جريمة تقع في قلب الشرق الأوسط، لكنها مؤشر خطير على ما وصل إليه قادة هذا النظام العالمي من انحطاط أخلاقي، ومؤشر على مدى الخوف الذي بدأ ينتشر في كل العالم مما آلت إليه هذه الديمقراطيات الكبرى من تشوه واختلال، ولم يكن تظاهر الطلاب في الجامعات الأمريكية العريقة من أجل غزة فقط، ولكنه تعبير عن ذعر حقيقي يحس به الشباب من بوادر نظام عالمي جديد تتراجع فيه قيمة الإنسان إلى أدنى حد، فهم شبان معنيون بالمستقبل وخائفون من هذا المستقبل ومن هذا التغير الأخلاقي الذي أصبح أخطر على البشرية من التغير المناخي، نتيجة الانبعاثات السيئة التي تلوث سماء البشر الروحية على مدى قرن تقريبًا، مثل الفاشية والنازية والصهيونية، وهي انبعاثات سامة تصعد إلينا عبر حروب تنبع ـ كما قال فولتير ـ من مخيلات ثلاثمائة أو أربعمائة شخص مبعثرين على وجه هذه الأرض يسمون أنفسهم قادة أو أمراء أو وزراء.

إنها حرب قذرة بكل ما تعنية الكلمة من معنى، يواجه فيها اللحمُ البشري الأعزل المعدنَ الفتاك والعالم يتفرج، وكل قانون دولي أو تقارير تقدم إلى المحاكم الدولية يجبها قانون خبيث تحت مسمى «معاداة السامية»، الذي بحجته يمنع أي نقد لحكومة الصهاينة المتطرفة، ويمنع أي تظاهر من أجل إيقاف هذه الحرب، مع أن ظاهرة «اللاسامية» أو معاداة اليهود انبثقت من قلب أوروبا المسيحية، وحيث لم يجد اليهود المنكل بهم في أوروبا ملاذا إلا الدول الإسلامية في شمال أفريقيا وفي الشرق الأوسط وفي آسيا الوسطى، والحصيلة أن الكيان الصهيوني يعادي ويبيد من حموا أجدادهم من الإبادة بمساعدة ودعم من نكلوا بأجدادهم وآبائهم.

وبهكذا معادلات ضد المنطق يحق للمتعاطفين مع غزة أن يخشوا من هذا الاحترار القيمي والاحتباس الأخلاقي الذي يهدد مستقبل البشرية، فالتغير المناخي قد يغمر بعض الأراضي بالماء بينما التغير الأخلاقي سيغمر عالمنا بالدماء. وترامب الذي أجج الحملة الثانية على غزة وجعل أخبار القتل تُحصى كل أربع وعشرين ساعة، لم يكتفِ بالانسحاب من اتفاقية المناخ، بل انسحب من كل المعاهدات والمواثيق الأخلاقية التي تدعم التعايش والتعاون الإنساني.

وللأسف هذا الضمير العالمي النابض بصمت في بعض بقاع الأرض لا يستطيع أن يغير من الأمر شيئًا، لأنه يبدو أن الطريقة الوحيدة للتأثير في العالم على مدى الزمن المنظور هو أن تترأس البيت الأبيض المتلاعب بمصير البشرية، والحالمون جدًا فوق ما تحتمل طاقة التفاؤل ينتظرون أن يترأس المكتب البيضوي يومًا ما شخص من سلالة المسيح أو غاندي أو كينج أو مانديلا. وإلا ستبقى أمريكا كما قال عنها الشاعر الفلسطيني محمود درويش «يا هيروشيما العاشق العربي.. أمريكا هي الطاعون.. والطاعون أمريكا».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»