الجوبة (مش) بعيدة؛ ما بين الميناء وخريبيش، وما بين النخل والديس، وما بين زهرة الياسمين، وخطم حفّني، تتشكّل هذه النصوص الغنائية كبيوت صغيرة في مدن الذاكرة الليبية، تلك المدينة التي لم تبن بالأسمنت وحده، بل بالحكي والغناوي، وبالقلوب التي وجدت في الغناء أحيانا عزاءاً أكثر من الأوطان.
وقد اخترنا نماذج غنائية متباينة ( 20 نصا غنائيا تقريبا) زمنا ومزاجا وموقعا في الوجدان الليبي، كي نفكَّك بنيتها الداخلية، وتُقرأ ضمن سياقها العاطفي والرمزي، ثم تربط بخيوط أعمق تظهر ما يتجاوز حدود النص ذاته نحو ما يكمن فيه من تعبير عن طبقة وجدانية مدينية، أسقطت من السردية الرسمية.
هذا المشروع إذن، ليس تقييما غنائياً، ولا هو سردٌ زمني لتاريخ الأغنية، بل هو ما يمكن أن نسميه «محاولة تأريخ وجدانيّ لأغنية أبعدت عن المسرح، فبقيت في القلوب». في هذا العمل، نحاول استعادة جزء من هذا الصوت المقصى، عبر تحليل قصائد غنائية مختارة، كأمثلة لا تدّعي الإحاطة، لكنها تصلح كنوافذ على ما كان يمكن أن يكون، وعلى ما لا يزال صالحا لأن يستعاد.
ماذا سنفعل؟
كل فصل هنا في هذه الدراسة – قصيدة وأغنية - هو مفتاح، وكل قراءة لكل أغنية محاولة لاستخلاص قانون داخلي، ولرسم ملامح المشترك الثقافي المغيَّب. من الغربة التي تكاد تعرّف الوطن، إلى الندم الذي يكشف عن الحب كحيازة لا شعور، ومن العتاب الذي يتخلّق إلى حكمة، إلى السهر الذي يصبح مرآة للصحوة… تتكامل هذه الفصول لتقدّم شهادة فنية وفكرية على ما كان سيضيفه هذا الرافد إلى الهوية الليبية، لو لم يقص من ذاكرة الدولة.
نصوص تفيض بالحسّ الإنساني، وتعبر عن لحظات نضج وجداني وشعري، صيغت بلغة عامية ليبية راقية، لا تبحث عن استعراض لغوي، بل عن صدق في التعبير، وعمق في البنية الشعورية.
عبر هذا المسار النقدي، لا نسعى فقط إلى تمجيد هذه الأغاني كمنجز فني، بل نحاول – بالأدلة والنماذج – أن نبرهن على أن تهميش الأغنية المدينية لم يكن خسارة جمالية فقط، بل كان اجتزاءً لروح ليبيا المعقدة، المتعددة، الثرية. وأن إعادة الاعتبار لها اليوم، هو استعادة لحقّ مكوّن جغرافي وشعبي واسع من الليبيين في التعبير عن أنفسهم، وهوياتهم، وحنينهم، بلغتهم الخاصة، وإيقاعهم الخاص.
لماذا سنفعل؟
هنا لا نكتب بتعالٍ ننتقده أصلا، عن لون غنائي بعينه، ولا يصدر عن موقف مضاد للأنماط الأخرى في الثقافة الليبية، حتى وإن كان يسعى للتمايز عنها، وليس التميز بالضرورة. هو محاولة جادّة لرفع الحجب عن طيف غنائي جرى تهميشه عمدا، بل قطع سياقه الطبيعي، وخنق تطوره المتدرج: هي الأغنية المدينية الليبية. هو محاولة إعادة الوضع لطبيعته.
لم تكن الأغنية المدينية يوما نفيا للهوية البدوية، ولا إقصاءً للأشكال الشعبية والريفية من التعبير، غير أن مشروع «التنجيع الثقافي»، الذي بدأ منذ عقود في ليبيا، حاول أن يختصر البلاد في خيمة، ويختزل شعبا في نجع، ويحوّل الفسيفساء إلى لون واحد، والتعدّد إلى صوت مفرَد، تحت دعوى «التأصيل والأصالة» وذريعة «التمثيل الشعبي».
وهكذا، جرّدت الأغنية المدينية من حضورها، وعوملت بوصفها ترفا و تغريبا، بينما كانت – في حقيقتها – صوتا مكتملا يعكس تحولات المدينة، وحنين الميناء، وأوجاع الفقد، وانكسارات العشاق الذين لا يصرخون بل يتهامسون… والذين لا يعيدون تشكيل العالم، بل يروونه بصبر و«نغم».
كيف سنفعل؟
سنتحرك في عملنا وفقا لثلاثة مستويات توجيهية:
■ أولا: الرؤية النقدية والعمق التأويلي
كل نص من هذه الفصول ينطلق من قراءة دقيقة للنص الغنائي لا بوصفه منتجا سمعيا عابرا، بل ككيان شعوري وفكري ووجودي. جرت إعادة تأويل النصوص الغنائية، وتفكيكيها، وفق منظور نفسي وفلسفي، يجعل من كل أغنية وثيقة وجدانية، أو مرآة لوعي يتشكل أو ينهار أو ينهض من بين الركام.
■ ثانياً: البنية الأسلوبية ولغة الكتابة
لغة المقالات تأملية. تقوم على تنويع الإيقاع الداخلي، مع مزاوجة بين التحليل العقلاني والبوح الوجداني. وتستثمر جمالية التكرار، والمفارقة، والانزياح، وتحاول أن تدرك أدوات النقد الشعري بوعي واضح، دون الوقوع في الإسقاطات أو الإغراق النظري. هذه اللغة تمنح النصوص طابعا مميزا يجمع بين العمق والبساطة.
■ ثالثاً: المنهجية التحليلية
المقالات جميعها قائمة على:
1. تفكيك البنية الشعورية حيث المستوى الوجداني: وفيه يبرز النص كمرآة لأزمنة الذات وخرائطها الشعورية.
2. تحليل الدلالة في علاقات القصيدة الداخلية، أي المستوى البنيوي: حيث يقرأ النص (الواحد) من داخله، وتفكّك الصورة لكشف البناء العام.
بهذا يجد الاشتغال على مفاهيم مثل الزمن، الفقد، الحنين، الكبرياء، الغربة، التملّك، والصحوة وغيرها من ثيمات؛ يجد شرعيتها ومبرره الطبيعي، بل ويتعزز بما سبق. ويشرح قيمة الإبداع وحتى العبقرية.
وأخيرا...
العمل الذي نقترحه في هذه الدراسة، وفي مجمله يمكن اعتباره «مانيفستو ثقافي» يرنو ليعيد الاعتبار للأغنية الليبية، ليس بوصفها «منتجا ترفيهيا»، فهذا المشروع لا يدافع عن الأغنية الليبية من موقع الحنين، بل يقدّمها بوصفها نصا يستحق أن يحلّل، ويؤرَّخ، ويقرأ بوصفه جزءاً من السيرة الثقافية الكبرى لليبيا. لا لكي يطربنا فحسب، بل ليعلّمنا كيف كنا نشعر؟، وكيف أحببنا؟، وكيف واجهنا خيباتنا؟ في زمن كان فيه كل شيء موقتاً.. إلا الغناء!.
وهنا «عناوين لبعض نصوص الأغاني» التي ارتسم حولها الاشتغال في دراستنا الراهنة، مع غيرها طبعا.

مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات