إلى جانب الكوابيس وغيلانها تحتل الحمير مساحات واسعة من أعمال الإسباني «غويا» السوداء، تلك التي رسمها وهو مصاب بأمراض عديدة من بينها السفلس والشيخوخة والصمم وتحت احتلال أجنبي، معزولا في بيت اسماه سكان المدينة «بيت الأطرش»، رسم غالبها على جدارن ذلك البيت بابيض واهن وأسود مهيمن لوحات «لساتورن» وهو يلتهم أبناءه، ولشيوخ يلتهمون شيوخا، لغواني ولرجال دين وسماسرة وأفاقين وكل ما يصور اليأس والإحباط ومخاوف العزلة والشيخوخة وقسوة الصمم والسفلس والاحتلال.
«غويا» الذي عاش كل أحلام الثورة والتغيير والذي أمن بكل قيم الثورة الفرنسية وجد نفسه كوطني إسباني يقف دونما تردد ضد الاحتلال الفرنسي لبلاده إسبانيا ويصور جرائم غزاة الثورة الفرنسية في إسبانيا وبشاعة الإعدامات التي ارتكبوها كغزاة، من إعدامات للفلاحين ورجال المقاومة.
بعد الاحتلال الفرنسي، واستسلام إسبانيا، لم يجد «غويا» إلا بؤس الغانيات والشيوخ الذين يلتهمون الشيوخ، لا يرى إلا «ساتورن» وهو يلتهم الأبناء.
إن البؤس والخراب و القمع والقتل تجتاح إسبانيا تحت الاحتلال، تحت شعارات الثورة الفرنسية الغازية، كما يجتاح السفلس والصمم والشيخوخة واليأس جسده وروحه، تنهار البلاد وينهار الفنان والفن.
ينعزل الفنان في بيت الأطرش، بيته، وسط ظلام البيت والوطن، لا يرى إلا الأشباح وأطياف الضحايا، يعاني كوابيس العزلة واليأس وسخرية وعداء أهله إن فتح باب بيت الأطرش وحاول الخروج بحثا عن النور والوطن.
كان كل شيء خارج بيت الأطرش يتفسخ وينحل، فبعد الهزيمة والإعدامات، بعد الجوع والطاعون، كانت البلاد تتفتت وتتلاشى نتفا تذروها الريح.
بعد أعمال مرحلة بداية الغزو والاحتلال، تظهر الأعمال السوداء، تلك التي رسمها في عزلته مخنوقا بالظلام والصمم والسفلس والجوع، تلك التي غطت جدران بيت الصمم والسفلس، أعمال ما بعد الانهيار.
أثار الغزو والاحتلال لا تظهر في أعمال «غويا» السوداء بتلك التراجيدية التي يتوجها نبل «التطهير» والنهايات البطولية رغم مأساويتها، كما في أعمال المواجهة والمقاومة، بل تصور الانهيار في كل شيء، في العيش وفي الأخلاق والفنون، فغويا ما عاد يرى بعد كوابيسه الأولى إلا المهزلة، لا يرى إلا الحمير وهم يقرأون وهم يكتبون وهم يعزفون على الجيتار وحتى وهم يعمرون أحلام النساء، وهم يهيمنون على العقل والقلب، وهم يقودون الخراب والتفسخ والانحلال..
الحمار يعزف على الجيتار وتنتشي لسماع نهيقه الجموع.
الحمار يخطب كسياسي شعبوي مفحم للعقل والقلب والأعصاب.
الحمار يواعد الجميلة ويقبلها وتذوب الجميلة تحت القبلة عذوبة وانتشاء .
الحمار يعظ الضالين ويثرثر عن الفضيلة والشرف.
الحمير تهيمن على كل شيء، تقود الأحزاب والجرائد والمنظمات وتكتب الشعر والنثر.
الحمير تلون بريشات ذيولها وألوان زبلها لوحات الوطن الزاهر المتفسخ.
يا لحمير «غويا» ولوحات عزلته وصممه السوداء.
في البلاد التي أجلس بها الآن واكتب هذا الكلام عن «غويا» إسبانيا، عن عماه وصممه وعن السفلس وأطياف مستقبل لا يجيء، عن القرف والضحك، عن التفاهة، وعن تراجيديا العجز، عن حميره وحميرنا، فحميرنا تعزف الأناشيد وترتجل الخطابات عن الحرية والعدالة والوطن.
حميرنا تحلل الخطاب وتنهمك في التأويل، حميرنا تعالج أزمة الاقتصاد، حميرنا تقاتل الاستعمار، حميرنا تتفوق على حمير غويا في الاندماج في أدوارها وتفسخها وانحلالها.
بيت الأطرش الإسباني الكئيب والمظلم والمعلقة على جدرانه لوحات حمير غويا لا يشبه بيت وطننا المشع بالوان التهريج الفاقعة حيث تتراقص على شاشاته صور حميرنا وهي تحلل وتحرم وتغني الأناشيد الوطنية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات