في ذلك الزمن. أيام الأطياف. السراب يمتد ويغري. الجوانب تتعدد هنا وهناك. لكن ظلت كل الطرق متاحة أمام كل تنظيم سري يتسرب من السراب سواء كان مدنياً أو عسكرياً. ما ينشأ مدنياً تسرب خلطه الركون إلى العنف واستخدام السلاح والمفرقعات.
كان التنظيم - أي تنظيم - يسعى بأهدافه المعلنة والخفية للوصول إلى السلطة والكراسي بأية وسيلة. تغيير الواقع وتبديله وإحلال المساواة والعدل وصولاً إلى تحرير فلسطين. كل هذه وغيرها شعارات تملأ الأفق كانت في زمانها الذي مضى. التنظيم القادم يهدم السابق الغابر ويلعنه ويتهمه بالعمالة والخيانة فيما تتوالى الصور في الأطياف بهذا الشكل لا فرق ولا استثناء. الانقلاب العسكري أو المدني المتعسكر هما وجهان واحدان لا يفترقان. فإلى أين يمضي المتحول الواهن الصوت. لقد قهره تماماً أن يكون التنظيم الذي احتواه في أواخر الكهولة مستهدفاً في رأيه من الاستعمار والصهيونية. اتهامات ستجد وقعها القاسي في قلبه بمساندة الأطراف المحلية المدنية أو العسكرية. تهم لا تبتعد عن العمالة والخيانة.
لم يكن المتحول صاحب التحولات منذ الثلاثينيات في القرن الماضي أيام الأدب والنقد (إخوانياً). كان غير ذلك تماماً. هو القادم من تلك الأقاصي في جوف الصعيد. من بلدة الموشي. لم يتزوج مطلقاً. ظل عزباً. عاش تجارب في الحب وكتب عنها في رواياته القديمة. أخوه الوحيد وشقيقتاهما. هذه هي الأسرة. وكل انتمى إلى التيار ذاته. وكان معهم تيار الحياة الأطياف الأربعة تبدو مع كل الأطياف في الزمن والمكان والوقائع يغذيها الحنين إلى شيء بعيد. شيء ما يجيش في الصدور. وهذا صوته الواهن الآن في هذا الصيف من العام 1965 وما بعده يتردد في التحقيقات ثم في المحكمة التي يرأسها فريق من الجيش هو الدجوي المعروف. وها هي الجماهير تسمعه مذاعاً في محطات إذاعات الجمهورية. محكمة باب الخلق. يأتيها مع الرفاق من السجن ويعود إليه. شعور بالعطش والتعب. فإلى أين تمضي أيها المتحول وقد ضاقت الأرض بما رحبت.
لم يكن التحول صعباً ذلك الزمن. المحروسة تتقد وتغلي. تموج وتتغير. تقبل على واقع ومنظور جديدين. والعالم الكبير والمنطقة الساخنة يموران بالمزيد. الفوران يكمل بعضه صداه في الداخل وفي الخارج على حد سواء. صديق الأمس ورفيق أيام ظلال الجميزة في الحديقة أضحى في نظر الأسمر الضابط ورفاقه إرهابياً مع تنظيمه الإرهابي. لم يعد للقلم لديه مكانة. المفرقعات والأسلحة والاغتيالات ونسف الجسور والكباري والقناطر وغيرها. تهم تنزل بشدة. والإجابة تتعثر في الغالب داخل القفص. تبدلت صورة الأديب والشاعر الحساس أو الناقد اللاذع اللسان. كيف يحدث التحول.. من الصعيد.. طفل القرية إلى دار العلوم إلى مجلة الرسالة إلى رواية أشواك والمدينة المسحورة إلى ديوان الشاطئ المجهول. إلى المعارك الفكرية. إلى محاضرة مهمة الشاعر في الحياة. إلى أبياته.. بلاد العرب أوطاني وكل العرب إخواني. إلى بقية الطرق ومعالمها التي اختفت أمامه ثم اتضحت بالنسبة إليه. الى هيئة التحرير. إلى السجن ثم السجن ثم حبل المشنقة إلى القبر المجهول في مقابر الشافعي.
صورة المتحول القديمة بكل أطيافها يستكثرها عليه تلاميذه ومريدوه ويزيدون بشأنه ويولونها ظهورهم. طمست معالمها. لم يعد في رأيهم ناقداً أو شاعر رياض الأطفال. لا يحكون عنها ولا يريدون إعادة أصدائها. إنهم يرونه أيقونة.. شهيداً. بطلاً. نموذجاً آخر أكبر من الشعر ومن النقد. فرضت عليه الظروف أن يكون كذلك. لم يكن شخصية قوية في التنظيم منذ الانضمام إليه. كان أقوى بتفكيره وأسلوبه وطريقة كتابته. تلك كانت خطورته ذلك المتحول. فكره أقوى من الحراك في التنظيم السري أو العلني. كتب الظلال بروح الأديب والمشاهد والتصوير الفني أيضاً. في الظلال قام بتخريجات وتفسيرات لم يسبقه غيره إليها. في سورة الفجر عند الآية الكريمة (وفرعون ذي الأوتاد).. أشار بأن الأوتاد هي الأهرامات الثلاثة. لاحقاً سيعجب الملازم القذافي حين وصوله للسلطة بذلك يتأثر به ويستعيره ويردده ويقوله في أحاديثه دون أن ينسبه لصاحبه سيد قطب. وسيعتقد الكثيرون أن ذلك التفسير منه وسيخرج الملازم أيضاً بتخريجات كثيرة وتفسيرات مختلفة ونظرية أكثر عجباً في أعوام تاليات. ويحاول أن يكون مفكراً من كل الوجوه. سيد المتحول وجه للفكر المغاير تماماً. والملازم العسكري وجه آخر يختلف عن كل أنواع الفكر. وتشاء الصدف كما سبق القول أن يدخل تنظيم المفكر الأول إلى السجن في القلعة في نفس اليوم الذي يخرج فيه الملازم ورفاقه بتنظيمهم الذي سيقودهم في معالم طريق آخر الى الإذاعة بعد أربعة أعوام. تنظيمان لا علاقة لهما ببعضهما. ولكن الأطياف في ذلك العام قاربت بينهما في الوقت والزمن وفارقتهما في المكان والموقع.. والحدث.
ذلك كله قاد المتحول إلى الحبل وإلى القبر المجهول بدلاً من الشاطئ المجهول. الحكم تصدى له البعض بالتدخلات.. توسط بومدين لإصلاح ذات البين في مؤتمر القمة العربي الثالث في المغرب لدى عبد الناصر بطلب من بعض قيادات الإخوان خارج مصر. لكن الصديق القديم أبى ورفض. وصل الأمر إلى خطوط حمراء وزرقاء داكنة جداً ولوحات سوداء. لم يعد الأمر ممكناً. وهناك خلال انعقاد المؤتمر محاولة لقلب عبد السلام عارف في العراق الذي توسط في العام الذي مضى لسيد قطب وخرج من السجن. قاد الحركة عارف عبد الرزاق. اتهمت المحروسة بطريقة أو بأخرى. كان اهتمام عارف بالوحدة قد فتر. طار على عجل من الدار البيضاء. توقفت طائرته في بنينا ببنغازي وتزودت بالوقود وعاد رئيساً للعراق ثم في أبريل 1966 يحترق وسط طائرته فوق البصرة. حادث دبر بليل. صراعات السياسة الخفية التي لا تنتهي. تلك أيام السنوات اللاهبات.
المتحول كان في زمانه الأدبي أول من قدم واهتم ببنديتو كروتشه فيلسوف الجمال الإيطالي. ناقد يهتم بفيلسوف. ثم في المرتبة الثانية بعده يهتم الناقد الليبي محمد حمي بالفيلسوف أيضاً وفي يونيو 1965 يتواصل الاندهاش عند ناقد آخر في بنغازي هو محمد زغبية. يلقي محاضرة عن الفن والقضايا الأساسية للمجتمع الإنساني في نادي الهلال. يقول خلالها.. (الفنان الواقعي يجب أن تكون أعماله الفنية تصويراً صادقاً أميناً وتعبيراً موضوعياً عن القضايا الأساسية للمجتمع الإنساني. إنها ليست قضايا منفصلة إنما هي قضايا مركبة مترابطة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً) ويستدعي خلال المحاضرة مدارس التجريد والرمز والوجودية والسريالية والمذاهب وكتاب كروتشه مفاهيم جديدة في علم الجمال. اهتمام متواصل في بنغازي بما بدأه الناقد القديم المتحول على الدوام. ويقول زغبية في محاضرته أيام تلك الأطياف.. (أهم هذه القضايا الإنسانية هي قضايا الحرية والديمقراطية ونضال الإنسان ضد الاحتلال الاستعماري والسيطرة الإمبريالية وتحكم الرجعية على كل المستويات).
قضايا وقضايا. وأطياف تمتد. والعالم تلك اللحظات يفتح عينيه كل صباح ومساء على أخبار حرب فيتنام التي تستعر نارها في حقول الأرز ومستنقعاته. جونسون ومكنمارا لا يكفان عن القصف وبطولات البسطاء تقهر المعدات الحديثة. وصلت إلى القمر لكنها لم تهزم الفقراء المكسوري الخاطر. هوشي منه وجياب والآلاف يصيرون أسطورة وهانوي تنهض دائماً وسط الانكسار. غاصت أميركا في وحل الذل والعار. أميركا دائماً هكذا.. ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
وداعاً لتلك الأطياف البعيدة. إنها تعيد صورتها بطريقة أو بأخرى في أطياف جديدة وراء كل الظلال والألوان. تطرح ما لديها ويظل العالم يتشكل في كل عام من جديد.. من جديد.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات