شهدت قاعة مجمع الفتح الثقافي بالعاصمة طرابلس حضورًا مميزًا دَعت إليه الجمعية الليبية للآداب والفنون على تمام الساعة الخامسة والنصف من مساء التاسع عشر من أبريل تخليدًا لعضويها البارزين رضا بن موسى وجمعة الدويب اللذين أدركتهما المنية في شهر رمضان الماضي، وقد تعاقب على الكلمة في هذا اللقاء بعد افتتاحه بكلمة الجمعية التي ألقاها مع حفظ الألقاب كل من مفتاح قناو ومحمد الدايري وعلي عبدالمطلب حميدة وكاتب هذه السطور وجمعة عتيقة وبشير زعبيه وعبدالفتاح البشتي ورمضان سليم وحسين المزداوي وصالح الدعيكي وإدريس القايد ومنصور بوشناف وغيرهم ممن عبّروا عن بعض ما لديهم عن الفقيدين، الأمر الذي يتعذّر تقديمه كاملًا في هذه العجالة ولا سيما حين نحسن استيعاب ما قدمه في تكثيف دسم محمد رمضان الدايري رفيق الفقيد رضا منذ السنوات الأولى من عمر الاثنين حيث الدراسة في كل مراحلها والطفولة بكل جمالياتها وبداية الوعي في جريدة الميدان الشهيرة التي أصدرها الأستاذ فاضل المسعودي في العام الرابع والستين من القرن الماضي تنفيذًا لحكم المحكمة العليا في وقتٍ سابقٍ وقامت بتنفيذه حكومة السيد محمود المنتصر في تشكيلها الثاني وتسلم السيد حسن ظافر بركان لحقيبة الأنباء والإرشاد، ففي تلك الأجواء والحديث للدايري قطع رضا بن موسى مشواره الثقافي والذي دفعه مع غيره من طلاب الجامعة إلى الاصطدام بالسلطة ودخول سجونها القاسية وأعوامها التي وصلت الاثنتي عشرة سنة مع الكثير من التجاوزات، تلك التي كان خلالها رضا مثالًا للتحمل وقوة الأمل والمثابرة على العطاء كما شهد رفيق المحنة وزميل السكن منصور بوشناف الذي دفعه وفاؤه وأصالته أن يذكر للفقيد دوره في الإصرار على مواصلة الوعي العام والتخصص، بينما ذهبت كلمة عبدالفتاح البشتي إلى التفريق بين ما عُرِفَ عن رضا من البشاشة وخفة الدم إلا أن له وجها آخر حين يحتاج الأمر إلى الجد ومواجهة كل ما يراه في حاجة إلى الحد والتمسك بالثوابت، ليُفهم ما معناه أن الثوابت فوق العلاقات الشخصية، إنه المعنى الذي اقترب منه كثيرًا صالح الدعيكي أحد الذين شاركوا الفقيد محنة السجن ولم تخرّ لهم عزيمة أو ينهزموا أمام السجان، فخرجوا أكثر قوة وأقدر على تجاوز المحنة واستئناف الحياة بكل ما فيها من بواعث البقاء. لقد كان سروري كبيرًا بحضور الصديق الدكتور مصطفى التير ومشاركته في الحديث، محافظًا على ذلك الموقف المتفرّد والذي اشتهر به منذ بداياتنا الأولى عندما كان دائب الحرص على المشاركة بالنشر أولًا والحضور ثانيًا ولا سيما عند نقل مجلة «لا» إلى الأدباء والكُتَّاب وما استدعاه ذلك التكليف من إصدار الأعداد المميزة والندوات اللافتة، تلك التي ضرب فيها المرحوم جمعة الدويب أروع الأمثال في الكتابة ومعه على ما أذكر زميله علي المقرحي، فكان في حضوره أخيرًا في الجمعية ما يذكِّرُني بأشهر أهله في تاورغاء المرحوم سالم عكش مرشح المؤتمر الوطني في انتخابات العام الثاني والخمسين من القرن الماضي عندما وقف ذلك المرشح رافضًا صنوف الإغراء والتهديد، وإذا كان المجال لا يتسع لعرض كل ما ذُكِرَ، فإن ذلك لا يمنع من تحية الجميع على مشاركتهم والحاضرين جميعًا الذين حرصوا على المشاركة مُتحدين كثير الصعوبات. والمجد دائمًا للثقافة والمثقفين والوطن الذي لا يخلد إلا بمثل هذا النشاط الخلّاق، والكلمة كما نقول دائمًا أطول عمراً.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات