Atwasat

تغيُّر الهويات

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 20 أبريل 2025, 06:21 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

يثير موضوع الهوية لدى المجموعات البشرية والإثنيات والقوميات والشعوب إشكاليات عدة. لن ندخل هنا في تحديد مفهوم الهوية، وإنما سنتعامل معه على أنه واضح ومدرك لدى الجميع.

لكننا سنتعامل مع جانبين آخرين للمسألة، وهما تاريخانية الهوية وطبيعتها.

بشكل عام، هناك من ينظر إلى الهوية على أنها معطى ثابت، لا يحول ولا يزول، رغم أنه يحول ويزول. وهذه رؤية ميتافيزيقية تجافي الواقع. وهناك من ينظر إليها باعتبارها عملية تشكل تاريخي يتأثر بالمسيرة التاريخية لمجموعة بشرية أو إثنية أو قومية أو شعب، ما. وهذه نظرة واقعية.

فالمجموعات البشرية البدائية المنعزلة لا تثار لديها مسألة الهوية ولا تعرفها. ولكن عندما تعاملت، سلماً وحرباً، مع مجموعات بشرية أخرى أصبحت تلاحظ الاختلافات والفوارق، وكذلك القواسم المشتركة، بينها وبين هذه المجموعات في ما يتعلق بالطقوس والعادات وسبل العيش والرقص والغناء، أي مجمل ما نسميه «الثقافة».

من هنا، صارت تنظر إلى نفسها ككيان متميز وتعي أن لها «هوية» مختلفة. وهذا يعني أن الآخر هو من يجعلنا نفكر في هويتنا ونرسم حدودها.

وهذا يعني أن طبيعة الهوية غير ثابتة، وإنما هي متحركة ومتغيرة، ببطء شديد غالباً (ما يوهم بثباتها) أو في اهتزازات وطفرات أحياناً، عند حدوث ثورات سياسية أو اجتماعية مثلا.

أصحاب النظرة الميتافيزيقية إلى الهوية، يخشون على «هويتهم» من التبدل والزوال ويبذلون الجهد في محاولة تجميدها وتحصينها، دون أن يدركوا أن التبدل والتغير قانون تاريخي حضاري.

في التاريخ المعاصر، نشط لدى العرب والمسلمين، نتيجة زحف «الحداثة» على العالم، الحديث عن الهوية، لأنهم عاينوا التغيرات التي أخذت تمس ثقافة شعوبهم (أي هويتها).

في مقاله «ليبي للعظم!»* تطرق جمعة بوكليب إلى مسألة الهوية من خلال طرح سؤال مفصلي هو

«هل... أن ليبيتي ظلت في منأى وفي مأمن خلال تجربتي الحياتية، صعوداً وهبوطاً، من كل ما تعرضت له من تأثيرات وتجارب، على مختلف الصُعد؟ وماذا عن السنوات الطويلة التي قضيتها خارج ليبيا، وخارج الثقافة الليبية، وخارج المجتمع الليبي؟ وماذا عن الحياة التي عشتها، والقيم التي اكتسبتها، وتلك التي أسقطتها عمداً، والكتب التي قرأتها، والحياة العائلية التي مارستها، في مجتمع غربي مسيحي، متقدم صناعياً وثقافياً وتقنياً لأكثر من ثلاثة عقود زمنية، وفي خضم أحداث هائلة على المستوى الشخصي والعام؟ هل لكل ذلك تأثير على هوّيتي الليبية أم لا؟»

هنا يتحدث جمعة بوكليب عن هويته الفردية في تغيُّراتها الحياتية المتعلقة بتجربته عموماً وبعيشه في بلد آخر ذي هوية مختلفة، من جهة، ومن جهة أخرى في ارتباط هويته الفردية بهويته الاجتماعية التي تعتبر أساس هويته الفردية.

ويؤكد «وهذا يعني... ، أن هوّيتي الليبية اتسعت واغتنت وكبرت، وخرجت عن إطارها الضيق المحصور في بقعة جغرافية معينة، وفي ثقافة محددة».

لكن جمعة بوكليب لم يتطرق إلى أن «الهوية الليبية» ذاتها قد لحقها التغير في حوالي ثلاثة أرباع قرن الماضية. وسآتي على أمثلة بسيطة، لكنها جلية.

فعلى مستوى وسائل النقل والتنقل اختفى الكارطون والشريول والكروسة، وجميعها تجرها الخيول أو الحمير. واختفت الدراجات الهوائية.

واختفت وسائل الري التقليدية وطرقه. وفي الأعراس دخل الفيلو محل لباس العروس التقليدي، وأصبحت حفلات الأعراس تقام في الصالات بدل البيوت، وغداً توفر الصالات المتاحة هو الذي يحدد موعد العرس بدلاً من أن يكون مرتبطاً بيوم الخميس. وفي تجمعات النساء تغيرت أنواع الأطعمة والمشروبات التي تقدم بالمناسبة...

• https://alwasat.ly/news/opinions/473644?author=1



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»