Atwasat

الأيديولوجيا والخطاب الأيديولوجي

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 30 مارس 2025, 09:38 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

منذ حوالي نصف قرن ظهرت كتابات «تبشر» بنهاية الأيديولوجيا. والواقع أن الأيديولوجيا التي تعلن البُشرى نهايتها هي الأيديولوجيا الماركسية والاشتراكية عموماً، وليست الأيديولوجيا الليبرالية في جانبيها الاقتصادي المتوحش (حرية السوق) والاستعمار الجديد، ولذا فإن التبشير بنهاية الأيديولوجيا هو، في حد ذاته، موقف أيديولوجي لا شائبة فيه.

ذلك لأن الأيديولوجيا صاحبت الإنسان واستبطنت عقله ووجدانه منذ أن تكونت المجتمعات البشرية وانقسمت إلى طبقات، أي إلى مصالح متقاطعة أو متباينة أو متعارضة. فالأيديولوجيا هي، ببساطة، «تصور» الفرد عن علاقته بالواقع الاجتماعي العام في جوانبه الاقتصادية والسياسية والدينية والأخلاقية. وهذا التصور الفردي تؤطره رؤية طبقية عامة.

وكذلك عن علاقته بالعالم وبالكون. والأيديولوجيا تسري في جميع جوانب حياتنا دون وعي منا. فحتى تصميم الحدائق وتنسيق الزهور وبناء البيوت تحكمه رؤية أيديولوجية، واعية أو غير واعية. لا يوجد مجتمع ينتفي فيه وجود الأيديولوجيا إلا تلك المجتمعات البدائية المتجانسة التي لم يشققها الانقسام الطبقي، وما زالت موجودة عينات منها في أدغال أفريقيا والأمازون ومناطق أخرى معزولة عما حولها.

ولأغراض هذا المقال، سأعطي مثالاً واحداً عن الأيديولوجيا الكامنة وراء بناء البيوت في التقليد العربي والإسلامي. إن بناء البيوت ذات الفناء الواسع غير المسقوف والأسوار العالية ذات النوافذ المرتفعة الضيقة، والشرفات المحمية بسور ذي فتحات ضيقة (المشربية)، تحكمه الرؤية إلى المرأة التي ينبغي أن تكون محجوبة دائماً، بحيث لا تتمكن من رؤية الخارج إلا من خلال نظرة مبتسرة، ولا يتمكن من في الخارج من رؤيتها، وتكتفي بالفناء الداخلي الواسع للبيت.

الأيديولوجيا ماثلة حتى لدى المتمسكين بمعالجة الأمور بموضوعية. فالمرء، حتى لو كان موضوعياً، لا يأتي إلى المسائل الإنسانية خالي الذهن وبعيداً عن أي موقف مسبق. وهذا الموقف المسبق (وهو موقف أيديولوجي) يتمثل، أول ما يتمثل، في اختيار الموضوع أو المواضيع محل التناول. وإلا فما الذي يجعلني أستهدف مواضيع معينة وأهمل غيرها سوى الانحياز المسبق؟ في القضايا الإنسانية ينتفي الحياد. ما هو فعال هو ما يمكن أن نسميه «الحياد الإيجابي». لا يمكنني أن أكون محايداً، مثلا، بين الجلاد والضحية، مثلما يقال.
وإذن، لا مهرب من الأيديولوجيا.

لكن ينبغي أن نفرق هنا بين «وجود» الأيديولوجيا في حد ذاتها، وبين «الخطاب» الأيديولوجي. ذلك أن الأيديولوجيا تتحرك، باستتار أو بوضوح، في خطابات فكرية وفلسفية واقتصادية وسياسية ودينية وأخلاقية، وكذلك في أعمال أدبية وفنية. وكلما كانت الأيديولوجيا مستترة في هذه الخطابات كلما كانت أكثر فاعلية. أما الخطابات الأيديولوجية الصريحة الفجة (على طريقة الأنظمة الشمولية) فهي خطابات مثيرة للسخرية وفعاليتها تكون بسبب الاستبداد وليس بسبب طاقاتها الإقناعية.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»