وكذلك كان حضوري في الثاني والعشرين من رمضان المبارك الموافق لذات التاريخ من مارس إلى فضاء بيت محمود بي بالمدينة القديمة والتي اختار الكاتب حسين المزداوي الدكتور محييِّ الدين فكيني موضوعًا لمحاضرته التي شارك بها في هذا الموسم، ليس فقط لدوره التاريخي، وإنما لمرور مئة عام على مولده؛ إذ كان في مثل هذا العام من القرن الماضي 1925 في منطقة ونزريك بفزان عندما حلَّ بها والده المجاهد محمد فكيني مرفوقًا بالمنضوين تحت لوائه في معارك الجهاد بعد أن تغيرت موازين القوة لصالح الفاشِست الإيطاليين، وصار لا مفر من الهجرة والتي انتهت بدخول التراب التونسي وتوجُهِ الطفل محييِّ الدين إلى مدارس تونس للدراسة واجتياز مراحلها بامتياز إلى الحدِّ الذي يسّرَ له الإيفاد لباريس للدراسة الجامعية والتي انتهت بإجازته في القانون، ليعود حاملًا مؤهله العالي مع قيام دولة الاستقلال والعمل بها في سيرةٍ عمليةٍ عدّدَها المزداوي ولم يبخل عليها بالإشادة عندما انتهت برئاسة الحكومة الليبية في تشكيلها السادس والتي قُدَّرَ لها، بحسب المزداوي، أن تتزامن مع اشتداد المد القومي، وبالأحرى الناصري، والتي انحاز لها فكيني كما رأى المحاضر. إنها المرحلة التي اشتد فيها النشاط النقابي الطلابي عندما تبنى الطلاب ما ينادي به الشعب، فوقع الاصطدام مع الأمن وقائده العام اللواء محمود بوقويطين لتكون نهاية الطريق متمثلة في إزاحة فكيني من رئاسة الوزراء وبقائه في الظل، بل ولم يُسمَح له بالعمل في مجال اختصاصه كما روى المزداوي حتى العام الثامن والستين عندما نشرت جميع الصحف خبر افتتاح الدكتور فكيني مكتبه القانوني، وقد استغرقت المحاضرة الكثير من الوقت وحفلت كذلك بالمعلومات التي تؤكد منزلة فكيني المميزة والتي لا يجادل فيها إلا القليل، ولا يملك المتلقي إلا أن يشكر للمحاضر جهده وظاهر اعتزازه بهذا الرمز الوطني الذي أثبت وجوده على مستوى عالمي وإن يكن لا يُلغي واجب الإضافة لما قد لا يكون معروفًا أو يحتاج للتدقيق؛ من ذلك أن حكومة السيد محمود المنتصر التي جاءت في تشكيلها الثاني خلفًا لفكيني وبروز ما يمكن أن يُعتَبَر غير مُرضٍ للملك حتى إنه طلب من فكيني أن يقدم استقالته ولم يتردد في المسارعة بقبولها، إلا أن هذه الحكومة قد تواصلت فور تشكيلها بالسيد فكيني وذلك عن طريق السيد عبد المولى لَنقي النائب والوزير السابق وأحد الذين التقى في الهوى المتمثل في الوقوف أمام محاولة محمد عثمان الصيد لرئاسة مجلس النواب. والمهم أن عبد المولى لَنقي -كما ذكر السيد بشير السني المنتصر- نقل لفكيني رغبة السيد محمود المنتصر في لقائه، إلا أن فكيني لم يقبل اللهم إلا إذا جاءت الخطوة من محمود المنتصر، الأمر الذي لا يُقرُّهُ الموقع ولا فارق العمر ولا الأقدمية في تقلُّدِ الرئاسة، فعاد لَنقي من حيث أتى وبقِيَ الدكتور فكيني مُنصرفًا لأموره الخاصة إلى أن ترك الوزارة عبد الحميد البكوش والذي رويتُ عنه شخصيًا أنه استقبل بمنزله الدكتور فكيني في عشاء تخلله حوار انتهى بسعي عبد الحميد لدى الملك إدريس لاستقبال فكيني عندما حدد له تناول الغداء معه، وقد حاول أحد مسؤولي التشريفات الحيلولة دون ذلك بدعوى أن الملك فرغ من غدائه لولا أن البكوش قد أحبط المحاولة بالاتصال الهاتفي مع الملك حيث تم اللقاء حسب الموعد ثم استمرت الأمور على حالها إلى أن سقط النظام الملكي وقد كان فكيني خارج البلاد فأبرَقَ ما قرأته شخصيًا من تهاني تلك الأيام برقية فكيني التي أطلعني عليها الزميل كامل عراب مرفقة بقوله إن النقيب جلود المشرف على الإذاعة رفض قراءتها رغم مساعي عراب، ليواصل فكيني حياته الخاصة، أما التفكير فيه لرئاسة الحكومة فمحض خيال. وأختم فأشكر المزداوي على استثماره للمشاركة في أنشطة المدينة القديمة بإحياء مئوية مولد فكيني معتزًا بدوره وصلته الشخصية بوالدي ومشاركتي بعض الذين هنأوه ببعض الأعياد وأخيرًا تقديم العزاء له في بيته عندما أدركت المنية شقيقه الأكبر علي بيك عندما تفضل بحضور الزميل كامل عراب بإطلاق صفة المناضل فاستشعرتُ الكثير من الزهو. عسى الله أن يرحم فكيني السياسي المحتاج إلى مزيد التناول واستخلاص الدروس المهمة للأجيال.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات