Atwasat

ليلة من زمان الحكواتي! (1-2)

سالم الهنداوي الخميس 20 مارس 2025, 02:45 مساء
سالم الهنداوي

كان الزمن الذي عاشه الحكواتي من أهم الأزمان العربية التي عاشتها المجتمعات على التراث وعايشته، وهو الزمن الذي تتلمذ فيه الرواة، نقلاً وتلقيناً، على قصص واقعية وخيالية وحكايات أساطير، وهو مسرح الراوي الذي صنع الصورة في خيال السامعين، وكان له بالغ التأثير في فن التعبير، وإكساب مهارة الحكي لأبناء ذلك الجيل الذي تعرّف إلى المسرح والقراقوز قبل ظهور السينما والتلفزيون. ذلك الجيل الذي تعلّق بكتاب الحكواتي وتأمُّلاته، وكان يسيراً عليه أن يقتنيه مع الزمن ويتعايش معه كمادة تراث غنيّة أعانته على تطوير موادها وتجديد أدواتها والمغامرة في مواكبة الحداثة.

ويُعتبر الحكواتي من التراث القديم في بلاد الشام ومصر والمغرب العربي، وقد اشتهر في لبنان، فكان هو سيِّد المتعة في ذلك الزمن قبل ثورة التكنولوجيا التي أثرت على مجلسه، مّا جعله يختفي ليصير من الماضي. ولقد كانت المقاهي الشعبيّة، وسط المدينة القديمة، مركزاً للحكواتي الذي كان يحكي حكايات البطولة والرجولة أمام جمع من الناس تضيق بهم المساحة، إذ كانوا يتفاعلون مع أحداث الحكاية إلى نهايتها. لكن مع مرور الزمن والأحداث، اختفت شخصية الحكواتي من المكان ومن يوميّات الناس، لتبقى في ذاكرتهم القيمة التراثية الخالدة التي أشبعت خيالهم بفنون الحكي في القصص والروايات.

كان حكواتي الشام مثقّفاً ومطّلعاً على التراث العربي القديم، ويتمتّع بمهارة السرد الممتع، فيروي حكاياته على مدى السنة، لكن في شهر رمضان كان ينتقي الحكايات التي تتناسب مع الشهر الفضيل، وفي طيّاتها تحمل العبر والأمثال بالأقوال والمأثورات الشعبية. كما أن الصائم كان يحتاج إلى وقت للراحة والترويح عن النفس، وكان يجد تلك الراحة في جلسة الحكواتي بعد صلاة التراويح. وفي المدينة القديمة في بيروت، كما في دمشق، كانت البيوت متلاصقة في حواري ضيقة بشوارع وأزقة تضيئها فوانيس الحيطان، وعلى بُعد خطوات من المساجد العتيقة والأسواق الشعبية كانت توجد المقاهي القديمة ومجالس الحكواتي بأريكاتها العالية وهو يرتدي الثياب الفلكلورية.

في مدينة صيدا جنوب لبنان، يُعتبر الحكواتي شخصيّة شعبيّة يتذكّرها الكبار من أبناء المدينة، إذ كان يحتشد حوله الناس في المقاهي، وهو يتفاعل مع سرد أحداث الحكاية، وأحياناً يدفعه الحماس لأن يجسِّد دور الشخصية التي يحكي عنها بالحركة ونبرة الصوت. وقد جسّد شخصيّة الحكواتي كثيرون على مرّ عقود من الزمن منذ اشتهر في بلاد الشام مطلع القرن التاسع عشر، وصار جزءاً من التراث الشعبي، وأحد وسائل التسلية الجماعيّة، وهو بذلك يُعتبر وسيلة تثقيف وعرض للبطولات والدروس في الوفاء والأخلاق الحميدة التي كان يتحلّى بها أبطال الحكايات حتى لو كانت غير واقعيّة ومن نسج الخيال. ومن الحكايات المعروفة في التراث العربي، وكان يرويها الحكواتي في لياليه، حكاية عنترة بن شدّاد والزير سالم والظاهر بيبرس وأبوزيد الهلالي، وغيرها.

في قلب دمشق القديمة، وعند الباب الشرقي لمسجد «بني أمية»، يطالعنا مقهى «النوفرة»، أقدم مقهى في دمشق، إذ يعود بناؤه إلى خمسمائة سنة. وقد شهد هذا المقهى مهنة الحكواتي من خلال العديد من المشخصاتية المعروفين في الحي الدمشقي القديم، كان آخرهم حكواتي الشام «عبد الحميد الهواري» (1885 – 1958)، وله صورة تتصدّر المقهى إلى جانب مجموعة لوحات لشخصيات مستوحاة من التراث، مثل عنترة بن شدّاد والزير سالم وأبو زيد الهلالي. وظل هذا المقهى حاضناً للحكواتي والروّاد الذين يحضرون خصيصاً لسماعه.

وبعد وفاة حكواتي الشام، لم يشأ صاحب المقهى أن تختفي هذه الشخصية منه، فاختار «رشيد الحلاق»، المُلقّب بـ«أبو شادي»، وأقنعه بأن يقوم بدور الحكواتي، وهكذا أصبح المقهى يعجّ بالروّاد الذين كان يدهشهم هذا النوع من التراث الشعبي. وقد ظهر أبوشادي بالزي الشامي التقليدي، المؤلف من سروال وسترة مطرّزة واضعاً الحزام التقليدي وعلى رأسه الطربوش، واتخذ مكانه على الكرسي المرتفع في صدر المقهى وبيده سيفه الطويل، فساد الصمت، واتجهت إليه الأنظار، ليبدأ بقراءة السيرة مستخدماً مهاراته في الإلقاء وتقمُّص الشخصية بإتقان. ومن اندماجه في الدور، كان متحمّساً يرفع السيف ويهوي به على الطاولة عندما يكون المشهد معركة حربية، أو حين أسر عنترة. وعندما يصل إلى خروج عنترة من السجن وزواجه من عبلة، كان المستمعون من غبطتهم يقومون بتزيين الحي وقرع الطبول وتوزيع الحلويات والسكاكر.

أمّا في حلب فكان آخر حكواتي يدعى «محمد الحموي»، الذي توفي عام 1981، وكان حكواتياً ماهراً يقدِّم فنّه في مقاهٍ عدة، وأحياناً ينتقل في الليلة الواحدة إلى أكثر من مقهى.

وحول علاقة الحكواتي بالتراث العربي القديم، يشير الباحث المصري محمود إسماعيل بدر إلى العديد من الروايات والدراسات النقدية حول مسرحة الحكي، منها أن الحضارة العربية الإسلامية عرفت الظواهر المسرحية ضمن الحصيلة الشعبية المتبقية من الممارسات التراثية لأبناء هذه الأمة، ومنها ما تبقى من ممارسات شعبية عرفتها شعوب المنطقة قبل الإسلام، ثم العودة إلى دراسة هذه الظواهر، وإعادة انبعاثها من جديد، علاوة على أن قضية التأصيل والهوية في المسرح تعدّ أمراً مهماً، مّا يؤكد في السياق أن فن المسرح في المنطقة العربية قد نشأ معتمداً على جذور دينية وشعبية وتراثية، وأن دراسة هذه الظواهر ستطلعنا بلا شك على العديد من الملامح الفنية والدرامية ذات الصلة بفن السرد والحكاية، التي جعلت الكثير من المتخصّصين المحدثين يربطون بينها وبين الأشكال المسرحية المعاصرة، فهناك ظواهر مسرحية عديدة في مسرحنا العربي تحمل دلالاتها وأبعادها، منها «الراوي - الراوية» و«شاعر الربابة» و«القصّاص» و«الفصل المضحك - المسرح الشعبي الارتجالي والسامر الشعبي» و«مسرح الحلقة» و«مسرح البساط» وفن «خيال الظل» و«الحكواتي - الحكاء - الحاكية».

ولعل هذا اللون من الفنون الأدائية يُعتبر واحداً من الفنون العربية التمثيلية التي عرفها العرب قبل الإسلام، واستمر بعد ظهور الإسلام، ثم ازدهر في العهدين الأموي والعباسي وصولاً إلى العهد العثماني في تاريخنا الحديث، وإلى فن الحكواتي في المسرح العربي المعاصر، حيث يتّخذ له أشكالاً مختلفة، ومع ذلك يظل محافظاً بقوة على سماته المرتبطة بالسرد، وإدهاش الجمهور بشكله الاحتفالي المهيب.

وحول تطور فن الحكواتي، يصف الباحث المصري د. أحمد صقر، في كتابه «توظيف التراث الشعبي في المسرح العربي»، الحكواتي بأنه شخصية تتمتّع بقدرات فنية متعدِّدة، فهو يقصُّ لنا حكاية من الحكايات التراثية، ويرويها ويجسّدها -يشخّصها- بأسلوبه معتمداً في ذلك على تعابير وجهه وحركات يديه وجسده كله، وموظفاً في كل ذلك طبقات صوته الجهوري القوي، محاولاً من خلال كل هذا جذب اهتمام الجمهور، وإمتاعهم وإدخال السرور على نفوسهم، وعليه نستطيع القول إن الحكواتي إلى جانب كونه يُمتّع السامعين، فهو أيضاً وسيلة توعوية، حيث يطلع جمهوره على كثير من الظواهر الاجتماعية والإنسانية، ممّا يقرّب وظيفته من الوظيفة الاجتماعية والثقافية والترفيهية التي يتمتع بها المسرح بمعناه الأعم والأشمل.

يُذكر أن فن الحكواتي في المجتمعات العربية قد مرّ بمراحل عدة نتج عنها تطوُّر كبير في سماته ووظائفه الفنية. ففي العصر العباسي على سبيل المثال، نجد أنه قد مرّ في ظهوره بمرحلتين، بحسب الباحث العراقي د. شوكت عبدالكريم البياتي في كتابه «تطور فن الحكواتي في التراث العربي وأثره في المسرح العربي المعاصر»، إذ يوضح أن «المرحلة الأولى تمثلت في العصر العباسي عندما ظهر الحكواتي بديلاً للقاص الذي تراجعت منزلته، وأصبح الخاصة لا ينظرون إليه نظرة الاحترام والتبجيل، فتحوّل إلى العامة من الناس يسامرهم في مجالسهم ويشاطرهم أعراسهم. وهكذا بدت ملامح المرحلة الأولى لظهور الحكواتي في القرن الرابع الهجري للعصر العباسي. أما المرحلة الثانية فقد جاءت في القرن الخامس الهجري، وهي مرحلة تطوُّر فن الحكواتي في أعقاب سقوط مدينة بغداد على يد التتار. وقد ارتبط الحكواتي منذ بداياته الأولى بممارسته مهامه المعقّدة بالحكايات العربية الشعبية والأسطورية، في محاولة منه وسعي حثيث لأن يصل إلى مكانة (الممثل المؤلف)».

ويرى عدد من الدارسين والباحثين في التراث العربي أن في النتاج الأدبي للحكواتي، مع ما يتمتّع به من صفات وخصال وموهبة وخيال خصب محلّق، ما يميِّزه ويكسبه صفة التمثيل والتأليف، وكذلك تهذيب المواضيع والقصص بما يقرّبها للجمهور في فترات مختلفة من الأحداث واليوميّات. ولقد كان الحكواتي على دراية بأسرار الناس ورغباتهم في الحياة، مّا جعله ينال ثقتهم، فيتأثرون بدروسه ومواعظه، ومواقف أبطاله في الحكايات.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»