Atwasat

السؤال القديم والجواب من قنانة

سالم الكبتي الأربعاء 19 مارس 2025, 02:32 مساء
سالم الكبتي

يسير قنانة شامخا بثوبه وجرده الليبي في الدروب بين فزان وطرابلس. تتداعى أمامه المرئيات. قطعان الغزال والودان وكثير من النعام، والتلال وكثبان الرمال. يصعد إليها. يهبط منها ويجتازها. الوجهة الشمال. الجنوب صار وراءه، والدنيا ظلام حوله في بعض الأحيان والتفكير، يسود أعماقه.. إلى أين سيحط الرحال؟

وقنانة يسير شامخا. الشمس في النهار والقمر في الليل وطرابلس بعيدة في الأفق.. عند البحر هناك. أمواج وأصداف ومراكب. والصحراء هنا. أمواجها رمال تتحرك وأفاع تزحف وعجاج وغبار في الأيام القائظة. التلال والصحراء تمتدان على مد الاتساع. لا حدود لها. لا عوائق. البصر يجول ويخدعه السراب بعض الوقت. قنانة الشامخ يدرك هذا جيدا.

التلال والصحراء في العمق.. ذلك هو الوطن. انتماء وشعر صدى قصائده يتردد مع أغاني الجن في الوديان والفجاج القصية. الوطن كان في فترة مرت ظل ينحسر في نقطة في الصحراء. الزيغن. البوانيس في مجملها. مشاهد النخيل منذ الطفولة. دروب المنطقة. الأسرة والعشيرة. والدته غزالة الشنارية. بدايات لانتماء نشأ منذ الصغر. الأصدقاء.. وفزان بعيدة قصية عن الوطن برمته.

كان قرنا من الأعوام تسوده علامات من المجهول والمخفي. تلك النقطة المنطقة كبرت ونمت معه، وصحا شعوره بالانتماء. كانت قافلته تسير باتجاه ريح الشمال. حبات من التمر ومعها حليب الناقة. يسير قنانة في الوطن إلى الوطن. لا شي سوى الوطن. الدائرة واحدة. الإبل تعرف دروبها.. دروب الوطن. بهذا الوعي اتسع الوطن في ذهن قنانة ولم يضق.

الوطن على مد العين. وطنان في نفس قنانة صارا وطنا واحدا. البحر البعيد مع الصحراء البعيدة. يمتزجان. يلتقيان. يشكلان أمشاج الوجود. وبينهما.. بين البحر والصحراء أبعاد تتسع أيضا ولا تضيق. الوطن لا يضيق بمكانه وجمالياته حتى وإن كانت موحشة. وكذا بأبنائه. فلسفة الوطن هويته. الانتماء يتولد من هذه الفلسفة، ويخلق لديهم قيمة الوجود والحياة والإحساس بمعنى الأرض. معنى أن تتصل عروقك ودماؤك وأنفاسك بما فيها وما عليها.

يسير قنانة وتسير القافلة. ومعهما الصحراء تسير. الوطن يسير. بعض المحطات. المزيد من حبات التمر والماء والحليب. والحكايات حين المسير والتوقف تعانق الأطراف عند الحواف والأعماق. في الليل الموحش.

نار وسمر ودفء وشعر يغازل الوطن. ومنه يغزل قنانة غزله الملون في معشوقته الأرض والمرأة. قنانة يرسل أشعار الغزل والحنين وسط الصحاري. تنقلها القوافل وتعبر بها كل الأماكن. يظل قنانة شخصية الوطن. هوية مبكرة لوجوده. صوتا يختلف عن أصوات غريبة ليس مكانها.. ليس وطنها.. ليس مستقبلها.

الوطن هنا في قلب قنانة، وثمة وطن آخر بانتظاره هناك عند البحر. اجتاز وطن العشيرة، وكبر معنى الوطن عندما ضاق به الحال. شعور إنساني بالغ الحساسية حك بظفره قلب قنانة ودغدغه. هتف: "تركناه حب الوطن نمشوا منه"، ولكن إلى حين. ولمن الترك يا قنانة الشامخ في تلك الساعات والظروف. أسئلة تتردد في الفجاج.

لقد تركه من أجل موقف وعزة نفس. كان الرجل كما يقال على المستوى الشعبي «عصران»، عفيف الروح. موقف له أسرار وتجليات تظهر مع الليل في الصحراء.

ولى ظهره للوطن الصغير. حدود العائلة. العشيرة. القبيلة. مواسم التمر في أسواق الزيغن وما حولها. مراحات الإبل وعبور قوافلها إلى القصي المتوغل في الجنوب عند عتبات بر العبيد. التجارة. العاج وريش النعام. ومعها الشعر لقنانة وغيره يرحل مع التجار. يمتزج الفن ويكون قطعة من الوجود.

ترك قنانة مفهوم الوطن الضيق المحصور في العائلة أو القبيلة.. تركه للهمازة وقصيري النظر والفلاحة وضعاف النفوس الذين يضيق بهم الوطن تماما. الأنانية ومفاهيم التباغض والتحاسد والجفاء. لا تكون هوية أو وطنا. أسباب رديئة لا تخلق وطنا يتحلق فيه الشرفاء والمخلصون. يظل الوطن لديهم استمرارا وديمومة، وليس مشروعا طارئا أو مغنما تافها. ترك قنانة هذا النوع من الوطن ومن الرجال هناك بعيدا.

تركه للأصوات المرتعشة والأيادي الضعيفة. ترك علاقات النفاق تسود بيئة تطغى فيها مظاهر التفاخر والازدراء. انتماء وتعصب في غير محله. هذا ليس وطنك يا قنانة أو وطن الشرفاء.

شرارة الانتماء قدحت الوعي والهوية لوطن نظيف. قنانة غدا صوتا للناس والهوية. ابتعاد قنانة ليس هروبا أو خوفا أو فراغا. إنه موقف تجاه المسائل الرديئة.. تركناه حب الوطن إلى حين.. حتى تستقيم الأمور وتنصلح الأحوال. الوطن مفهوم عالي القيمة والأثر لمن يفهم. لمن في قلبه.. قلب وروح ودم.

كان قنانة يسير والقافلة والصحراء ولحظات العطش وبروك النياق.. وحبات التمر. إلى أين يا قنانة بعد هذا الموقف، وبعد هذا التعب والإجهاد. إلى مكان من الوطن يحقق نسيجا من الألفة والتعاطف. إلى جو يقدر الموهبة والشخصية والصوت الواعي والانتماء.

حياة أخرى في السرايا الحمراء. حولها البحر وفي جوانبها سواني النخيل. وطن آخر لم يألفه قنانة. هناك صحراء متسعة. وهنا بحر وضواحٍ ومبان ومتاجر ومركز يدير الشؤون. اعتبره قنانة مكملا لوطنه. امتزج الوطنان بالمعنى المحلي. استقرا في القلب. صحيح أن النخيل يكاد يكون واحدا، لكن مذاق التمر بينهما يختلف. أنواع منه غير موجودة هنا.

وعند يوسف باشا الذي سمع به حدثت كمياء اللقاء والتعارف. أدرك قيمة قنانة. وجد وقتا للقياه رغم المشاغل والصراعات وطموحات الأبناء ومشاكل الأسطول في البحر. يوسف كان له تاريخ يرتبط بدولة أسسها بين العثماني الأول والعثماني الثاني. ملامح دولة حديثة هي الأولى في تاريخ الوطن. يختلف بشأنه أو يتفق، فإن يوسف كان كذلك.

كان يحترم عبر قنانة الأشراف والمرابطين والصلاح، ويعتبرهم من أولياء الله. قنانة ظل قريبا من السراي، لكنه كان أكبر من السياسة وفنونها. لم يكن داهية سياسة أو مقاتلا.

كان شاعرا وصوتا للناس داخل السراي. بسط ليوسف نتيجة متانة العلاقة التي ستكبر وتنمو.. بسط وطرح مشاكل فزان.. الوطن الأصغر. لم ينس قنانة تلك الديار رغم الجفاء ووجود التافهين في رأيه.

أسهمت الكمياء بين الرجلين في تغذية الأفكار. يوسف رجل دولة وسياسة، وقنانة شاعر ووجيه من الطراز الأول. الحاكم والشاعر توصلا إلى خفض ضرائب فزان الثقيلة. خطاب بقوة الشعر أنهى تلك الهموم والأحزان.

لم يكن قنانة منافقا أو مادحا. كان صوتا لهوية تبرز، وظل شاعرا يمشي ويجئ. له مكانته ومهابته. قنانة لسان الحال. وصوت الرفض في الصحراء لمظاهر النفاق الردئ. تأسيس بدأ لهوية مجهولة كانت وتحققت بالشعر والكلمات وصدق القول. الوطن لا يعيش عبر المنافقين. يحيا وسط الأصوات الشجاعة.

الوطن في شعر قنانة وغيره من الرواد القدامى عنوان لهوية ليبية تخلقت. قنانة من الخطأ حصره في قصة أسطورية عن تعلقه بابنة عمه، ورفضها الزواج منه، ثم رضاها بعد أن تغير حاله الاجتماعي.

قنانة أكبر من ذلك. رمزية لهوية منذ الأزل. وحين يكثر السؤال عنها في هذه الأعوام فهو سؤال حائر ودائخ، ولا يحمل أي جدوى أو معنى. سؤال يبحث عن الماء وهو فوق ظهر السؤال باق دون أجوبة.

لقد وجدها قنانة في ضوء النهار منذ حقب بعيدة. كان صوتها الشعري العظيم وأحد رموز الإجابة عن السؤال.. سؤال ينبغي أن يتوقف. ما جدوى الأسئلة وما معنى الحيرة في مسألة بديهية محسومة منذ زمن.. صوت قنانة الجواب الوحيد على الدوام!!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»