Atwasat

هيا ارفعوا علم البلاد

أمين مازن الأحد 16 مارس 2025, 01:15 مساء
أمين مازن

ذلك هو النداء الذي ترنَّمَ به تلاميذ المدارس عندما استؤنفت الدراسة بمدارس ولاية طرابلس الغرب عقب انتهاء الحرب في أربعينيات القرن الماضي واضطلاع عددٍ من القادرين على التعليم ممن توفرت فيهم شروط التدريس للثبوت والتأهيل ومثلهم من اختيروا بالمسابقات العامة، إلى جانب فريقٍ ثالثٍ أُطلِقَ عليهم وصف الموقتين لسد النقص أو تثبيتهم لاحقًا بامتحاناتٍ يثبت من خلالها ما تحقق لهم من نمو المعرفة. إنه النشيد الذي كتب كلماته الشاعر أحمد قنابة وتولى تلحينه أبرز شباب تلك الأيام، كاظم نديم بن موسى، الذي فضّلَ التعليم متخليًا عن وظيفته في بلدية طرابلس لما في التعليم من الانسجام مع ما لديه من الرغبة في تكوين الأجيال، ويومئذ استوعب الكلمات واللحن عديد الناشطين ممن جمعوا بين الوعي السياسي والإحساس الفني، فأسسوا سريعًا الفرقة القومية التي اتخذت مما كان يُعرَفُ بسينما كاتانيا مقرًّا للفرقة الجديدة.

لقد دام ذلك النشيد وأدّى دوره التنويري في المدينة ومدارسها وامتد إلى بقية أرجاء الولاية المبتهجة برحيل الفاشِست وانبعاث الحراك الوطني العام بما رفعه من شعارات الاستقلال التام والانضمام إلى جامعة الدول العربية كما كانوا يهتفون، وفي مرحلةٍ لاحقة يشاغبون ويدفعون أحيانًا ثمن شغبهم اقتيادًا إلى السجون التي ما لبثت أن فُتِحَت كما حفظت الوثائق التي سجلت الوقائع العامة ومن شارك فيها، عندما كان المعلمون يُكوِّنونَ ناشئتهم محققين مستويات غاية في الجودة، اختلط الفضل فيها بين جهد المعلمين والمنهج المُعَدّ محلِّيًا وتأثير الكتاتيب التي سدَّت فراغ المدارس، إلى أن قامت دولة الاستقلال التي استبعدت كل الأناشيد مكتفيةً بالنشيد الوطني الذي اعتُمِدَ في مسابقةٍ عامةٍ نُظِمِت على مستوى عربي ونصَّ بها على مقطعٍ خاصٍ بالملك، وكان إقحامًا انفردت به ليبيا في نشيدها الوطني ولم تأخذ به أي دولة عربية أخرى ملكية كانت أو جمهورية كما يؤكد كل متابع، إلى أن حلَّ نظام سبتمبر الذي اكتفى برفع علم الاتحاد المصري السوري وإذاعة نشيد «الله أكبر» رسميًا، وفي تطورٍ لاحقٍ الدستور الاتحادي ونصّه على حق إعادة الأمن بالقوة كما حدث في إعادة النميري إلى الحكم بعد أن أُطِيحَ به وأُودِعَ السجن فيقوم السادات بإرجاعه وينسِبُ الفعلَ إلى القذافي، عندما قتلَ النميري جميع الذين أبقوا عليه حيًا، فيخشى الكثيرون أن يكون ذلك مقدمة لإطلاق يد السادات بليبيا لولا أن القذافي قد انتبه فيما يبدو لهذه الثغرة، فأحرق علم الاتحاد ورفع رايته الخضراء الخالية من أي مواصفات تُطلَق عادةً على الأعلام ومنها علم الاستقلال.

لقد بقي نشيد العلم في الذاكرة الشعبية عامة والفنان الكبير المرحوم كاظم نديم بن موسى وكذلك لحنه الذي طوَّرَهُ وأعاد توزيعه، أملًا في العودة إليه ولا سيما بعد خطوة الإفراجات التي رفعت شعار أصبح الصبح، بل وفُتِحَ الموضوع في أحد اللقاءات ودفعته المجاملة وطول الأمل إلى تحديث اللحن وإعادة تسجيله بالخارج مؤملًا قبوله وتعويض ما أنفق مما لا طاقة له به، فمرَّت الأيام ورحل الفنان من الدنيا، لكن اللحن لا يزال محفوظًا، فتعيَّنَ أن نثير الأمر هنا لعل أحد الذين اتخذوا من وجودهم داخل الدائرة سبيلًا لامتلاك ما استطاعوا من الفضائيات وغيرها من المُقَدَّرات، يعمل على بثِّ ذلك النشيد ولو بين الإعلانات المعادة والمُنفِّرة أيضا عن المطاعم والأكلات، فألحان الفنان كاظم نديم يمكن أن تسوغ لهم شيئًا مما أمعنوا فيه نحو الفن والثقافة ورموز البلاد.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»