مثلما أسلفنا سابقا عن تناقضية نخبة فبراير (بسلطتها) في المشهد السياسي الليبي، على ذات النحو تعكس سردية أنصار سبتمبر (بمعارضتها) تناقضات جوهرية يمكن تحليلها بالمثل عبر أدوات علم النفس السياسي، حيث تكشف هذه التناقضات عن آليات دفاع نفسي جماعي تُعرف بـ«الانفصام الأيديولوجي».
ووفقًا لنظرية التنافر المعرفي، تلجأ الجماعات إلى تشكيل سرديات هجينة لتبرير التناقض بين معتقداتها المعلنة وسلوكياتها الفعلية، كما يظهر في الخطاب السپتمبراوي الذي يدمج بين دعاوى التقدمية والتمسك بتراث استبدادي.
* الديمقراطية كمفارقة تأسيسية
يؤيد هذا التيار شكليًا المشاركة الديمقراطية، لكنه يرفض المساس بأسس وشرعية النظام الأبوي السابق، المأزوم وفقا لأي معيار ديمقراطي. مما يخلق تناقضًا بين المطالبة بالشرعية الانتخابية والتشبث برموز استبدادية. ووفقًا لعلم النفس السياسي، يعدّ هذا «استيعابًا انتقائيًا» يهدف إلى تهدئة التنافر بين السعي للقبول الدولي والتمسك بالهوية السلطوية.
* الإنسانية على الورق، والواقع على حسب!!
يُظهر خطاب التيار الأخضر «انفصاماً قيميًا» حيث تُطبَّق المعايير الدولية على الخصوم بينما تُعطل عند محاسبة الذات، وهو ما يفسره ألبيرت باندورا ضمن مفهوم «التبرير النفعي»، حيث تُستخدم حقوق الإنسان كأداة تفاوضية لا كمبدأ أخلاقي*.
* القانون قناع موقت
يروج خطاب سبتمبر لفكرة سيادة القانون، لكنه يعيد تعريفه وفقًا للضرورة السياسية، ما يعكس «فصامية قانونية». وفقًا لنظرية «الطاعة التفاضلية»، تعتمد الجماعات القوانين التي تخدم مصالحها بينما ترفض تلك التي تهددها، كما يتجلى في المطالبة بالانتخابات مع رفض إدانة من يعتبرها تهديدًا للإرادة العامة.
تجسد قضية سيف الإسلام القذافي تناقضًا واضحًا بين المطالبة بالحقوق السياسية ورفض المحاسبة الجنائية - بمعزل هنا عن الإدانة والتورط فعليا - وهو ما يُعرف في الأدبيات بـ«فخّ التمكين الذاتي»، حيث تُستخدم العدالة لاستعادة النفوذ مع تجاهل المساءلة عن الماضي، مما يعكس «التبرير الذاتي» في السلوك الجماعي.
* سيادة انتقائية
كما أسلفنا عن قوى «فبراير» تُدين أدبيات سبتمبر التدخل الأجنبي في هيئة أفعال الخصوم عندما يكون لمصلحة المذكورين، لكنها تقبله لديها وعند الحلفاء، مثل الحماية الروسية، الهجوم على طرابلس والدعم الخارجي له، وهو ما يُفسَّر وفق «نظرية الإسقاط السياسي»، حيث تُسقط الجماعة تناقضاتها على الآخرين لتبرير سلوكها، مما يخلق «مفارقة سيادية» تعكس أزمة الهوية الوطنية.
* تفكيك اللاوعي الجمعي السپتمبراوي
لا يمكن فهم هذه التناقضات دون تحليل «اللاوعي السياسي» للجماعة، الذي يدمج بين الحنين إلى الماضي والسعي للاندماج في الحاضر.
«الخطاب هنا ليس مجرد أخطاء تكتيكية، بل يعكس أزمة هوية عميقة تدفع الجماعة إلى إنتاج خطاب هجين يفتقر إلى الاتساق النظري أو الأخلاقي (القيمي)».
فهل فبراير أفضل من سبتمبر؟ سؤال سياسي بنكهة مدرجات الكرة، لكنه واجب هنا لاتقاء تهمة التحامل، وهو ما يشرحه علم النفس الاجتماعي بمصرية «إدارة الانطباع» حين يتم التظاهر للحفاظ على المكانة، وهذا يتأتى بالنصر أكثر من الهزيمة، بمحاولة إخفاء العيوب لكن الواقع مملوء بالخيبات المطمورة لدى الكل.
* نستخدم مفهوم «الأخلاقي» بالمعنى القيمي الثقافي، وليس بالمعنى والسياق التربوي الوعظي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات