في دراستها عن الحيوانات في الأدب الليبي، والتي كانت «رسالة لنيل الدكتوراه، قدمتها الباحثة «كاريس أولشوك» بجامعة لندن، تحت عنوان «شعرية الهشاشة» استعرضت خلالها تشكل الكيان الليبي الحديث، حيث تقول إن «الأرض المعروفة الآن باسم ليبيا عاشت تحت قائمة طويلة من الحكام الأجانب منذ الفنيقيين وحتى الطليان، وقد ارتبط الاستعمار الإيطالي، والذي كان يهدف لتأسيس شاطئ إيطاليا الرابع المجيد والحديث، ارتبط لدى الليبيين بالحداثة والأوروبية، وبالإبادة الجماعية ومعسكرات الاعتقال ومصادرة الأراضي، تلك المرحلة كما يقول عنها المؤرخ «ديرك فانداوالي» تركت انطباعا سيئا عن فكرة الدولة الحديثة لدى سكان ليبيا ذوي الغالبية البدوية، فقد عانوا في تلك الدولة «الحديثة الاستعمارية» العزل السياسي والاضطهاد الوحشي.
كانت مرحلة الاستعمار الإيطالي وباختصار شديد «شديدة القسوة والدموية» وتركت إحساسا عميقا بعدم الثقة في الغرب عامة وحداثتهم لدى الليبيين.
إضافة لكل هذه الشكوك الليبية، فإن القوى الإقليمية والهويات القبلية ظلت تثقل هوية هذا الكيان حتى بعد نيله الاستقلال، مما أدى إلى ما تسميه «آنا بندينتي» بـ«فشل المجتمع المتخيل والمأمول» وكل ذلك كان نتيجة لقوة الهويات القبلية والتبعية لقوى خارجية، «بريطانيا وفرنسا وأميركا» ولتأثير النخب الإقليمية الثقافية بشكل أكثر فعالية من القوى السياسية المحلية».
الشمال الأفريقي ظل وعبر تاريخه الطويل يعاني سيولة الكيان والهوية، فلم ينجز سكانه كيانا موحدا، ربما باستثناء التجربة «القرطاجية»، بل ظل فضاء شاسعا تتناثر فيه قبائل، تعيش الكفاف في كل شيء، لتظل البداوة وما قبل العمران «هويته» لمراحل طويلة من التاريخ، حتى إن مملكته المعبرة عنه كانت «نوميديا» والتي لا يعني اسمها في اللغات الأوروبية إلا «بر البدو».
مثلت ليبيا الحديثة «الجيب الحضاري» لذاك التاريخ من البداوة والكفاف، ورغم تشكل بعض المراكز الحضرية، على شاطئ ليبيا ونموها أثر الاستعمار والاستيطان من شعوب قدمت من الشمال والشرق إلا أن غالبية سكانها ظلوا يهيمون في الصحراء، يعانون العزلة وشح المطر، مما رسخ هوياتهم القبلية، وثقافة الترحال، والتوجس والريبة من «مراكز الاستقرار الحضرية» وسلطاتها الاستعمارية، حتى إن فكرة الدولة ظلت في «لا وعي» الليبيين خارج تلك المراكز الحضرية، خطرا وعدوا يجب تدميره، حفاظا على «هوية القبيلة وثقافة الترحال الرعوية».
«توطين الحداثة» وبناء على ما تركه الاستعمار، كان مشروع دولة الاستقلال الملكية، وذلك ببناء مؤسسات حديثة تقود النهضة في التعليم والصحة والصناعة والزراعة، وتوطين البدو، عانى ورغم الكثير من النجاحات، مما أشارت له الباحثة من «فقدان الليبيين الثقة في مشروع الحداثة والدولة، والهويات القبلية وتأثير القوى الإقليمية والعالمية»، مما أدى في النهاية إلى ما تسميه آنا بندينتي بـ«بفشل المجتمع المتخيل والمأمول»، ليبدأ تآكل مشروع التحديث في ليبيا، وتنتصر في النهاية هويات القبيلة وثقافة الانغلاق، وسيولة الكيان، وهشاشة الإنسان، لتبدأ ملحمة التيه الليبية، بين نوميديا وأفريقيا والجزيرة العربية والمتوسط، وتتحول روافد الهوية والكيان إلى خلجان يتبدد عبرها المجرى الموحد قطرة قطرة.
الهويات القبلية والتأثير الإقليمي والدولي الاستعماري، تدفع بجميع الليبيين إلى مذبح كيانهم الوطني، لتتراجع مدنهم إلى شكل الهوية القبلية، وثقافتهم إلى ثقافة النقل وذبح العقل.
هذه المذبحة أو بالأحرى هذا الانتحار الوطني، ناتج لتلك الهشاشة التي أنتجها تاريخ طويل من التجريف الحضري والبدونة، والذي عصفت زوابعه منذ سبعينيات القرن الماضي ويبلغ ذروته الآن وينصب المشانق لمحاولات بناء دولة الحداثة، دولة توطن البدو والعلم وحقوق الإنسان.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات