Atwasat

حكاياتٌ بلا حدود

جمعة بوكليب الأربعاء 19 فبراير 2025, 02:05 مساء
جمعة بوكليب

في شهر فبراير، من العام الرابع عشر، على قَولِ الرواة، وهم كُثر، ضربَ شاهد العقل الملك شهريار فجأة، كمن أفاق من سُكرٍ طويل. اكتشف الملكُ أنه وقع فريسة سهلةً لاحتيال زوجته شهرزاد طوال تلك السنين. وأنّها، من الأخير، ضحكتْ عليه.
خلال ما مرّ من أعوام، كان شهريار يكتفي، كل ليلة، بالإضجاع على سرير حكاياتها، مستمتعاً بما كانت تنسجه وتخيطه وتُلبسه له من حكايات بلا حدود، لا أصل لها ولا فصل، ولكنها مسلية جداً.

وحين يقترب الليل من نهايته، ويعلو صياح الديكة في أنحاء قصره وأسوار مملكته تتعب هي من النسج الحكائي المختلق، وتسكت عن الكلام المباح وتتركه مُعلقاً على مشجب حكاية تلك الليلة في انتظار حلول الليلة التالية لتكملها. بعدها يستغرق هو في نوم عميق تتخلله أحلام تكون في مجملها إعادة لما سمعه من الحكايات. وينام إلى وقت متأخر جداً من النهار، تاركا شؤون المملكة لأعوانه ومستشاريه وبطانته.

وفي الوقت ذاته، تستغل شهرزاد فترة رقاده العميق في التفكير ونسج حكايات جديدة، وربطها بما سبق من الحكايات، ووضع النهايات المشوقة. شهرزاد معذورة في ذلك، كونها حتى قبل أن يأتي إلى الدنيا داهية إيطالي اسمه «نيكولو ميكافيللي» كانت قد أدركت من تجربتها وخبرتها مع زوجها الملك شهريار أن الغاية تبرر الوسيلة. وأن القانون، أي قانون، لا يحمي إلا الأقوياء والدهاة، وقادة الجماعات المسلحة، وجنرالات الجيوش، أينما كانوا، في كل العصور والحِقب. وأن الأغبياء، مثل الملك شهريار، ليس لهم سوى لوم أنفسهم، وتحمّل تبعات المصائر التي يلاقونها. و«اللي ايدير بيده ربي يزيده».

كان من نتيجة ذلك أن أصيب الملك شهريار باكتئاب شديد، بعد أن اكتشف أن شهرزاد احتالت عليه طوال كل السنين الماضية، باختلاق حكايات من نسج خيالها، بهدف تأجيل قتلها. وتبيّن له كذلك أن الاحتيال ما كان ليتم لولا استعداده النفسي لتقبله.
والأسوأ أنّها أنجبت له أبناء وبنات، بعدد تلك الأعوام، ولم يعد ممكناً التخلص منها بقتلها، كما كان يفعل مع غيرها من زوجاته السابقات.

أزمة الملك شهريار، أو بالأحرى مأزقه العويص، أن الدنيا خارج أسوار قصره الملكي تغيّرت كثيراً، وأن آخرين ممن لا يعرفهم هبطوا من السماء فجأة وانتهزوا فرصة انبهاره واستغراقه بحكايات خيالية منسوجة بمهارة ودهاء. وتمكنوا، واقعياً وفعلياً، من سحب البساط من تحت قدميه، قطعة قطعة، من دون أن يشعر بفعلهم. وتركوه يتأرجح في الهواء، معلقاً في خيط، اتضح أنه أوهن من خيط عنكبوت.

الآن، وبعد إضاعته أربعة عشر عاماً من عمره في اللهاث خلف حكايات شهرزاد، وتبيّن له أنها لا تُسمن ولا تغُني من جوع، أدرك أنه، بما لا يدع مجالاً للشك، كان «يلوي في الفراغ (سباناتو)». وأنّه، من دون أن ينتبه، أضحى كهلاً. وقبلها، بوقت طويل، صار ملكاً من ورق. وأنّه، وهذا المهم، ليس بمقدوره الآن قتل شهرزاد، ولا استعادة ما سُلب منه. تلك كانت معضلة ومأزق شهريار باختصار يدعونا نحن إلى الشعور بالقلق، أو حتى إلى البكاء بما يشبه الضحك أو العكس.

الملك شهريار، بكل المعايير والمقاييس، يقول الرواة، لا يستحق التعاطف ولا الشفقة. كونه، بوعي أو بجهل، سلّم بيديه رخيصاً، وبلاش فلوس، ما دفع يوماً ثمنه باهظاً وبالدم للحصول عليه. الرواة على اختلاف سحناتهم وألسنتهم وأهدافهم، يتفقون على هذه الحقيقة.

ما حدث للملك شهريار ليس جديداً، وإن اتسم بغرابة. ربما تكمن مشكلة شهريار أنه كان ملكاً جاهلاً بالتاريخ. وترك غضبه من خيانة زوجاته السابقات يقوده إلى أقصى الحدود. وجاءت شهرزاد، ذات ليلة، وضيّقت تلك الحدود، أو قامت بتغييرها لا فرق. وذلك، بأن اختلقت أو أبدعت وصممت بدهاء بديلاً آخر: حكايات بلا حدود.

في شهر فبراير من العام الرابع عشر، اتضح للملك شهريار أن قادة جماعات مسلحة، برايات عديدة، ومختلفة، قد استحوذوا على مملكته، وقسّموها أجزاء بينهم. وقاموا بإفراغ خزائنها. وأن عليه الآن، تحمّل تبعات ما فعلت يداه. وأن يرضى بما قسّم له قانون الضمان الاجتماعي من راتب تقاعدي، ينزل في حسابه المصرفي شهرياً. وأن عليه تدبير أحواله على قدر استطاعته بذلك الراتب الشهري الضئيل، وينتظر تدخل الإرادة الإلهية، أو حدوث معجزة خارقة.

وإلى أن يصير ذلك حقيقة واقعة، ليس عليه سوى الصلاة والدعاء إلى الله أن يجيره من الإصابة بداء الزهايمر أو النسيان، كي لا تفقد ذاكرته مخزونها مما سمع من حكايات زوجته شهرزاد، لكي تساعده على تزجية أوقات فراغه الطويل، إلى حين وصول شحنة أخرى من السيولة النقدية للمصارف، في شهر فبراير من العام 2026، الذي يوافق الذكرى الخامسة عشرة!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»