Atwasat

نمر من بوتوكس

سالم العوكلي الثلاثاء 04 فبراير 2025, 05:03 مساء
سالم العوكلي

مشهد العائدين بمئات الآلاف من الفلسطينيين إلى أوكارهم المهدمة؛ الذين أُجبروا على النزوح منها، رغم أن لا شيء فوق الأرض من العمران بقي، يوجه رسالة إلى اليمينَين، الصهيوني والأمريكي، بأن مفهوم الأرض والوطن غير الذي في أذهانهم، وسيرهم الذاتية لا يمكن أن تُعرّفهم بهذا المفهوم، لأنهم كمهاجرين في دول حديثة بُنيت على عظام السكان الأصليين، يعتقدون أن الوطن فقط هو المستوطنات الناشزة والمباني والطرقات والبنى التحتية، وبإزالتها أو تدميرها يعتقدون أن فكرة الوطن زالت أو اندثرت، لكن التعبير الدارج في لغتنا (تراب الوطن) ليس مجازًا ولا استعارة، إنه حقيقة الانتماء الذي يغوص في الأرض كجذور الأشجار وعروق الملح، وحقيقة أن هذا التراب ممزوج بغبار عظام الأجداد بما تحمله من جينات سكانه، وهي علاقة وجودية وبيولوجية لا يمكن أن يفهمها المهاجر الطارئ ولا العابر ولا المستوطن. فالفلسطينيون لا ينظرون إلى الركام، لأنهم ينتمون للتراب الذي تحت الركام، وهذا التراب هو البنية التحتية الوجودية لوطنهم. ومن ينتمي للتراب، حتى لو قُدر له الموت بعيدًا عن وطنه، فستكون وصيته أن يُدفن في مقبرة قريته، بكل ما يستلزمه هذا النقل من تكاليف وإجراءات معقدة. كتبت مرةً: «زفاف للحنين/ تلك الجثامين التي تعود في الطائرات إلى قراها البعيدة».

فترة حكم الفاشي بالبو لليبيا، استدعى الحاكم الإيطالي الذي كان مقيمًا في بلدة شحات شيوخ بعض القبائل، بعد أن أقيم نجع بقرية الصفصاف، لمناقشة الصفقة المتعلقة بإقناعهم بفكرة الاستيطان للصقليين، وتنازل الليبيين عن بعض أراضيهم بمقابل، فقال له الشيخ (ابريدان) القادم على فرسه من أطراف الصحراء بالحرف: «هالوطن اللي تقسم فيها راهو ما تقشع فيه حيطة وما تلقى تحتها راس ليبي.. وإذا تبي تعطي الشيشليان مزارع عطيهم في روما». وكان في تلك اللحظة يّعرِّف له مفهوم الوطن حين يكون ترابه مختلطًا بعظام وعرق ودم الأجداد الذين ضحوا بأنفسهم دفاعًا عنه. وفي المقابل كان جراتسياني ـ كما كتب في مذكراته وكما شاهدنا ما كتبه في فيلم أسد الصحراء ـ يُخرج من جيب معطفه عملة رومانية قديمة ليريها لأسيره عمر المختار كدليل على أن هذه الأرض لهم وكانوا فيها زمنًا ما، فقال له المختار: وستجد الكثير من النقود الفينيقية والإغريقية ومن كل الحضارات مقبورة في رمال ليبيا. وهو يقصد أن يفرق بين صاحب الأرض المقيم وبين العابر، وأصحاب كل هذه العملات كانوا عابرين، وأنت وجيشك المدجج ستكون عابرًا أيضًا، وهذا ما حدث في النهاية وكان الطليان؛ الذين سموا ليبيا شاطئهم الرابع، وجلبوا مئات الآلاف من المستوطنين «عابرين في كلام عابر».

في مقالة بجريدة هآرتس نُشرت قبل حتى أحداث السابع من أكتوبر، يقول الصحفي الإسرائيلي اليساري جدعون ليفي: «يبدو أن الفلسطينيين طينتهم تختلف عن باقي البشر، فقد احتللنا أرضهم، وأطلقنا على شبابهم الغانيات وبنات الهوى والمخدرات، وقلنا ستمر بضع سنوات، وسينسون وطنهم وأرضهم، وإذا بجيلهم الشاب يفجر انتفاضة الـ87.. أدخلناهم السجون وقلنا سنربيهم في السجون. وبعد سنوات، وبعد أن ظننا أنهم استوعبوا الدرس، إذا بهم يعودون إلينا بانتفاضة مسلحة عام 2000، أكلت الأخضر واليابس، فقلنا نهدم بيوتهم ونحاصرهم سنين طويلة، وإذا بهم يستخرجون من المستحيل صواريخ يضربوننا بها، رغم الحصار والدمار، فأخذنا نخطط لهم بالجدران والأسلاك الشائكة، وإذا بهم يأتوننا من تحت الأرض وبالأنفاق، حتى أثخنوا فينا قتلًا في الحرب الماضية، حاربناهم بالعقول، فإذا بهم يستولون على القمر الصناعي الإسرائيلي (عاموس)، ويدخلون الرعب إلى كل بيت في إسرائيل، عبر بث التهديد والوعيد، كما حدث حينما استطاع شبابهم الاستيلاء على القناة الثانية الإسرائيلية.. خلاصة القول، يبدو أننا نواجه أصعب شعب عرفه التاريخ، ولا حل معهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال». وحقيقة أن طينتهم لا تختلف عن البشر لكن هذه كانت طينة كل من دافع عبر التاريخ عن طين وطنه ضد أي احتلال كان.

تاجر العقارات ترامب بكل بساطة، وكأنه يشرب نخب تدمير غزة، يطلب من مصر والأردن أن يبنوا مساكن لملايين الفلسطينيين من غزة والضفة ويأخذوهم عندهم، وهو أيضًا، ولأسباب عدة، معزول عن فهم ماذا تعني العلاقة الوجودية بين الإنسان وأرضه، وإذا كان ترامب لا يفهم ذلك فعليه أن يسأل الناجين من سكان أمريكا الأصليين من الهنود الحمر، من إبادة البيض لهم؛ الذين فضلوا الموت في ترابهم أو العيش فيه كما يريدون، وأن يراجع وصايا زعمائهم للمستوطنين الجدد وهم يطلبون من الغزاة الحفاظ على البيئة وعلى الأرض ووحوشها، ولأنه صاحب نشاط تجاري عقاري فهو لا يعرف من مفهوم الوطن سوى سطح من الأرض تُبنى عليه العقارات، وحين تغزّل ترامب في أرض غزة كان لا يرى فيها سوى مساحة مهيأة لاستثماراته العقارية ومنتجعاته، ولا يرى في الفلسطينيين سوى عوائق أو مخلفات تعرقل مشاريع البناء. وفي الواقع هو لم يستخدم فعل التهجير لكنه عبر عنه بفعل (CLEAN OUT) الذي يعني تنظيف أو إزالة، ككل الأفعال الفاشية التي يستخدمها ضد الآخر دون وجل.

تحدث عن موقعها المهم، وعن انبساطها وشواطئها وشمسها، ونسي أن الآن فيها مقبرة جماعية لأكثر من 50 ألف شهيد، ضمنهم 18 ألف طفل قتلوا بأسلحة أمريكية وأوربية، غير الآلاف الذين ما زالت جثثهم تحت الركام، والذين اختلطت عظامهم بعظام أجدادهم الممتدة قرونًا في تراب غزة وكل فلسطين، لكن سردية التاريخ المنصفة تقول إن العابرين سيمضون في كلام عابر، وما سيبقى في هذه السردية أن هذا الكيان الغاصب قتل بأسلحة أمريكية وإنجليزية وألمانية، وعلى مرأى العالم، أكثر من 20 ألف طفل خلال 15 شهرًا، وأن كل حجر يُقشع فيها ستجد تحته عظام فلسطيني. ولكن أنى لترامب المهاجر أن يعرف ذلك!

في تقرير ببرنامج يوروماكس في قناة دوتش فيلي العربية بعنوان (رحلة إلى قرية ألمانية ينحدر منها أسلاف ترامب) وهي قرية كالشتاد جنوب غرب ألمانيا، حيث هناك نشأ الجد فريدريش ترامب حتى العام 1885، وفي العام 1902 تزوج من جدة ترامب لأبيه وانتقل إلى أمريكا، وفي حوار مع عالم الأنساب في القرية، ميشاييل فولوف، الذي تتبع تاريخ عائلة ترامب في القرية، يقول: يشار تقليديًا إلى سكان كالشتاد ومحيطها بأنهم أشخاص متفاخرون أو متبجحون أو ثرثارون. وقد استطلع مقدم البرنامج آراء أقاربه في القرية. يقول أحدهم: أُفضِّل ألا أقول هذا هنا.. إنه مجرم مدان وهو كاذب سيء السمعة. وتقول سيدة سبعينية: ترامب ليس شخصية محبوبة، وأخرى بحرج تقول: شيء يجب نسيانه. ويذهب التقرير إلى قرية تونغ في جزء هيبردز الأسكتلندية، حيث نزح جده وحيث كان يعيش في تلك القرية 500 نسمة وعشرة أضعافهم من الأغنام. حاول المراسل أن يتحدث مع أقارب ترامب لكن لا أحد يحب الحديث عنه كما قال. وقال أحد أعيان القرية: نحن هنا نولي أهمية كبيرة للمجتمع وهذا أمر لا يهم دونالد ترامب إطلاقا، فهو لا يهتم إلا بنفسه وسمعته ومصلحته وهذه أمور بعيدة عنا كل البعد. ويقول رجل سبعيني: الناس فخورون قليلًا لكنهم لا يُظهرون ذلك فالكبرياء يأتي قبل السقوط. ووفق ما ذُكر في موقع فرانس 24 بتاريخ 23 أكتوبر 2020، عبّر سكان قرية كالشتاد، التي لم يزرها ترامب منذ توليه منصب رئيس الولايات المتحدة، عن استيائهم بسبب ربط اسم البلدة بالرئيس الجمهوري «المتقلب الطباع». وقال رئيس البلدية توماش جافوريك: «عندما نرى المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ودونالد ترامب جالسين جنبًا إلى جنب يتولد لدينا شعور بأن هوة تفصل الآن بين عالمينا».

ماري آن مكلاوند، الأسكتلندية، والدة دونالد ترامب، عاشت في قرية تونغ حتى عام 1930 وفي سن الثامنة عشرة ذهبت إلى الولايات المتحدة هربًا من الفقر. ولو أن الرئيس الأمريكي آنذاك، الجمهوري هربرت هوفر، كان بعنصرية وأنانية وغطرسة ترامب، وقرر ترحيل المهاجرين، لعادت والدة ترامب مكبلة في طائرة عسكرية إلى قريتها النائية (ولما كان لدونالد ترامب نصيب من الحلم الأمريكي الذي جعل منه كابوسًا لكل مهاجر بعده) مثلما فعل بالمهاجرين الكولومبيين الذين، مثل أسرته، نزحوا من الفقر، وأعادهم في طائرات عسكرية مكبلين، مهددًا كولومبيا بأعتى العقوبات إن لم تستقبلهم، وكان رد الرئيس الكولومبي العنيد عليه درسًا لكل حاكم تهمه كرامة شعبه، لتدخل دبلوماسية البيت الأبيض على الخط من أجل إصلاح ما تتسبب فيه هرطقات ترامب من فوضى، وليثبت أن هذا (الفخور المتبجح الثرثار) ما هو إلا نمر من بوتوكس.

يرد في ويكيبيديا أن «هربرت هوفر هو واحد من بين ثلاثة رؤساء أمريكيين (تافت، وهوفر، وترامب) وصلوا إلى رئاسة الولايات المتحدة من دون أن تكون عندهم خلفية سياسية انتخابية».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»