Atwasat

البتريوفوبيا أو رهاب الأوطان

سالم العوكلي الثلاثاء 07 يناير 2025, 03:05 مساء
سالم العوكلي

في إحدى الأمسيات الشعرية التي أقيمت في طرابلس مطلع الألفية الثالثة قرأتُ قصيدة بعنوان (فوبيا الكائنات الأليفة) نصها: «أخاف من طرقة على الباب أخاف من المطر.. من دمعة تترقرق في القلب. أخاف من لعب أطفالي ومن علبة التبغ.. أخاف من زحام الظهيرة.. من أعداء لا أعرفهم وأصدقاء يقرؤون حدسي. أخاف من شفق المساء.. من النوم ومن الضحك. أخاف من وقدة الروح ومن كل ثقب.. من سكينة البيت آخر الليل.. من أشباح النهار تتنزه في شوارع الصمت. من عيون تحدق في السماء ومن خطا خلفي. أخاف من بياض السقف.. من أصابعي تُقِّلب الشواء وتكتب الشعر. أخاف من الموسيقى تُشيّع نعش الأغنية.. من كل صبح يلمع في مرآة الغرفة.. ومن أحذية تمشي على ورقي.. أخاف من وشم أمي وعكاز أبي.. أخاف من حرائق تتهيأ في علب الثقاب.. من أسماء لا أذكرها ومن ذكريات الغد.. أخاف من أرض تتجعد وسماء تتوعد.. من نسيم مر بضفة الجرح.. أخاف من نفسي أخاف من وطني».

بعد الأمسية الشعرية اقترب مني أحد الحاضرين وسألني بخجل مشوب بقلق: هل من الممكن أن يخاف الإنسان من وطنه؟. وكان السؤال صعباً بقدر ما هو جارح، لكني هذيت له وقتها ما مفاده أن الشعر عادة ما يمكث عند لحظة مفارقة ويجعلها أبدية إذا كانت تحمل سؤالاً إنسانياً أو وجودياً تصعب أو تستحيل الإجابة عنه، ولا تستغرب حين تقرأ لي قصيدة أخرى في حب الوطن حيث من المفترض أنه المكان الوحيد الذي يحس فيه (المواطن) بالألفة والأمان، لكن في لحظات ما أو حتى أيام أو سنين قد تُسرق منا الأوطان وتصبح مصدر فزع لأن الوطن ليس مجرد جغرافيا بل تضاريس جسد وخارطة روح وعلاقات ووجوه نحس قربها بالألفة، وحين يصبح المكان مخيفاً فكل ما يحتويه من كائنات حميمة تغدو مخيفة، وهذا ما تعتمد عليه أفلام الرعب في إنتاج الخوف.

وحدثته عن تلك الحادثة التي مررت بها العام 1987 حين سافرت إلى شرق آسيا (تايلاند وسنغافورا) منطلقاً من أثينا، وكنت أمر بمطارات تلك الدول بأريحية وسلاسة وسط سيل من الابتسامات والتمنيات برحلة هادئة وآمنة، وفي العودة حين ركبنا الطائرة من أثينا إلى طرابلس غمرني خوف مفاجئ من مطار طرابلس حيث في تلك الفترة العصيبة كانت البوابات والمنافذ مخانقَ للتعذيب النفسي والجسدي، وحين وصلنا رفقة أصدقائي إلى مطار (وطني) أُخذنا على جانب من قبل أفراد أحد الأجهزة الأمنية الذين عادة لا يُعرفون بأنفسهم، حققوا معنا في كل تفصيل، وسخروا منا وشتمونا شتائم مقذعة، ولأن السياحة كانت تعني في ذاك الوقت (الصياعة) كنا لا نخاطب طيلة مرورنا بالمطار سوى بمفردة (صياع) حتى خرجنا إلى الهواء الطلق وتنفسنا أكسجين الوطن الذي ما زالت تلك الشتائم عالقة به كغبار يجرح الحنجرة.

حكيت له هذه الحادثة وحكى لي حادثة تشبهها، لكنه لم يعلم أبداً بما حصل لنا في العودة إلى مطار بنغازي المتهالك ولا بتلك البوابات التي فتشتنا عديد المرات في الطريق بين بنغازي والبيضاء، ولأننا كنا لا نحمل سوى جوازات سفرنا كهوية كان الأمر محل شبهة في زمن كان كل مسافر مشبوه فيه حتى داخل الوطن، وتذكرت تايلاند المسماة (كونتري أوف سمايل) أو أرض الابتسامة، حيث سافرت عبر البر من جنوبها إلى شمالها مسافة 1200 كيلومتر لم أمر على بوابة، ولم يطلب مني أحد أوراقي الرسمية أو هويتي، دون أن تغيب الابتسامات التي كأنها مرسومة على تلك الوجوه منذ الأزل. وبعد كل واقعة ازدراء في وطننا كنت ورفاقي ننظر إلى بعضنا بعضا وكأن لسان حالنا يقول: طارت سكرة تلك الرحلة الرائعة.

حين فكرت في كتابة هذا الشجن عن الخوف الذي قد يعترينا من الوطن، دون رغبة مني في أن أفصل الوطن عمن احتلوه وصبغوه بالتوجس والتجهم والكراهية لكل ما هو جميل، بحثت عن مصطلح يختصر هذا الخوف، فتبادر إلى ذهني (الهوموفوبيا) باعتبار الجمع بين Home التي تعني بيتا أو وطناً وبين Phobia التي تعني خوف، غير أن هذا المصطلح سُرق سابقا كما سرق قوس قزح من براءة اللغة لتغدو مثيرة لنوع آخر من الشبهات. (Homophobia)‏ تعني «الخوف من المثليين».

وكنت أفكر أن العلاقة مع الوطن هي علاقة مثلية لأن الذكور يعتبرون الوطن مذكرا فيكشرون في وجهه وهو بالمقابل يفعل المثل، والإناث يعتبرن الوطن مؤنثاً فيملأنه بالبهجة والجمال، وفي ظل هذا الشعور النسوي الفكِه الذي فاجأني الآن، فكرت أن أجترح مصطلحاً قريبا يختصر حالة الخوف من الأوطان وهو الهوميفوبيا، وهو اختلاف صوتي دقيق لن ينأى بقائله عن جرس إنذار المصطلح السابق، حيث الجناس المقلق بين (homos) التي تعني في اللاتينية مِثل َ أو الشيء نفسه، وبين home التي تعني في الإنجليزية الوطنَ.

وتحاشيا لهذا الالتباس سأستخدم المقابل اللاتيني لمفردة الوطن patria، ليغدو بتريوفوبيا مصطلحاً مناسباً لرهاب الوطن، وحين أدخلت هذا المصطلح في محرك البحث (غوغل) لم أجد له أثرا، والنتيجة التي ظهرت «البحث بدلاً من ذلك عن التريبوفوبيا»، والتريبوفوبيا: حالة نفسية يُصاب فيها الشخص بنوبة خوف شديد عند رؤيته نمطاً معيناً من الثقوب مثل نخاريب الدبابير، ويبدو أن ثمة قواسم مشتركة بين المصطلحين، وبين الأوطان والثقوب وأعشاش الدبابير.

كما فكرت في اجتراح مصطلح الناشيوفوبيا المتعلق برهاب الجنسية الذي يجعل حلم المواطن العربي أن يتحصل على جنسية أوروبية أو أميركية، أو الميسورون منهم يحملون زوجاتهم ليلدن أبناءهم في إحدى هذه الدول كي يضمنوا لهم مواطنة بديلة، ولكي يتأكدوا أن سفارات هذه الدول ستحميهم حيث ما حلوا في أي بقعة من هذا العالم.

بعيداً عن كل هذه التخريجات الاصطلاحية المزعجة، أعود لأسأل: هل الخوف من الوطن واقعة محدودة أو حالة استثنائية عممتُها بتعسف وأبدتُها في قصيدة كُتبت في منتصف التسعينيات حين كان الخوف يتسكع بكل غطرسة في شوارع مدينتي المحاصرة؟.

حين أفكر الآن في سيل المهاجرين الذين يقطعون برزخ الموت عبر صحراء قائظة وأمواج بحر هادرة هروباً من أوطانهم، أشعر أن الأمر ليس مجرد واقعة عابرة لكنه ظاهرة، وهي لا تتعلق بجغرافيا الأوطان ولكن بمحتواها السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي أصبح طارداً لكل حالم بحياة طبيعية، وآلاف الجثث التي يلفظها البحر على شواطئ المتوسط الجنوبية تسرد الكثير عن هذه البتريوفبيا.

حين سقط نظام الأسد الذي أوصل جزءاً كبيراً من شعبه إلى هذا الشعور، وبدأت الملاذات الغربية توقف إجراءات البث في اللجوء الإنساني، وتفكر في ترحيل اللائذين بها، تابعتُ في إحدى القنوات استطلاعاً لآراء بعض المهاجرين في أوروبا المرعوبين من فكرة ترحيلهم إلى أوطانهم، والهلع ظاهر في عيونهم، ويقفز السؤال الشبيه بسؤال ما بعد تلك الأمسية: كيف يرتعب شخص ما من فكرة أن يعود إلى أرض ولد فيها ولعب فيها طفلاً وعاش فيها الحب الأول وكوّن فيها صداقاته الأولى وتنكه طعامها؟، والإجابة المقترحة أن من هيمنوا على هذه الأوطان دون شرعية وعاثوا فيها خراباً وقسوة، سرقوا كل هذه التفاصيل من حياة شعوبهم أو بعضها الحالم وحولوا كل الذكريات إلى مواجع، وجعلوا من الغربة ألفة ومن المنافي أوطاناً.

ويستمر الأمر حتى في الدول التي خلت من الحروب أو وضعها الاقتصادي ليس سيئا مع نشر ثقافة التجهم والتدخل في تفاصيل حياتنا اليومية، وموجة تحريم الأعياد السعيدة وكل مناسبات الفرح والضحك، انطلاقا من تأويلات مرضية لدين ارتبط تاريخ سلفه الأوائل بالمرح كما يذكرها المؤرخون الأوائل، وحيث بدأت تنتشر في مواقع التواصل حالات غريبة من الإسلاموفوبيا بين مواطنين مسلمين، رغم أن المعني بهذا الاصطلاح في بدايته (غير المسلمين) الذين لم يعرفوا للأسف من الإسلام غير وجهه المتشدد والمشوه.

ويظل الخلل دائما في من استلذوا السلطة والهيمنة والوصاية على الناس دون مرجعية دستورية أو قانونية، فتصبح الأوطان طاردة حين يكون المتمسك بوطنه كالقابض على حفنة من الجمر. وبالعودة إلى قصيدة الخوف من الكائنات الأليفة، يصدف أن ينشر الشاعر، علي شحات، على صفحته قصيدة باللهجة الليبية عن مثل هذا الخوف من كل ما هو حميمي، في توارد غريب للخواطر، أو بمعنى أقرب توارد للهواجس، باعتبار أن قصيدتي التي كُتبت في التسعينيات ملأتني خوفا منها، ولم أنشرها إلا في آخر ديوان صدر منذ أشهر.

وما أجمل أن يُعبَّر عن مثل هذا الخوف باللهجة التي نحلم ونتألم بها. يقول علي شحات: من كل شَيّ نخاف.. م المَوح م المودّة من دنا لَولاف.. م الياس م الرجا. من كل شَيّ انريَّب.. من قرب البعيد ومن ابعاد اقريّب. م الطيّب ومن نِيته وعكس الطيّب.. من غيم البداري من رياح جفاف. من ذيب يتودد من غزال امنيّب.. من ذيب جارح من غزال اجواف. م الليل من غروب الشمس وين اتغيّب.. م الصبح.. من شروق الشمس.. م النكساف.. م الجرح من اضماد الجرح م السَعَّاف. م الجار م القرايب من عزيز احبيّب.. م الود م اللقا م الدنو.. لستلطاف. خايف وخوفي فيّ تَم امهيّب.. قرب الطرب والحزن منّي خاف.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»