Atwasat

الإمام والقبائل والعصبية

عمر الكدي الإثنين 06 يناير 2025, 01:12 مساء
عمر الكدي

لا أرجح أن يكون محمد بن علي السنوسي قد اطلع على مقدمة ابن خلدون، سواء خلال دراسته الأولى في مستغانم، أو خلال دراسته العليا في جامعة القرويين في فأس، فقد نشر المستشرق الفرنسي الين مارك كاتمير أول نسخة باللغة العربية العام 1858، بينما تُوفي السنوسي في الجغبوب بعد عام من نشر المقدمة، التي أهملت ونسيت منذ أن ألفها صاحبها العام 1350، كما أن السنوسي تخصص في الفقه والشريعة وليس في الحديث أو التاريخ والذي يرجح ذلك هو أنه لم يستنر بالمقدمة في بناء مشروعه، وإلا كانت اختصرت عليه الكثير من الوقت والجهد، ويبدو أنه كان مسكوناً بأن البداية لا بد أن تكون من مهد الإسلام في الحجاز وليس في أي مكان آخر، واستغرق منه الأمر عدة رحلات حتى اقتنع بأن بادية برقة هي المكان المناسب لحركته، وأنه سيعيد ما قام به أجداده الأدارسة، والمرابطون والموحدون والعلويون.

وحسناً فعل المفكر الفلسطيني أحمد صدقي الدجاني بإصدار كتابه «الحركة السنوسية نشأتها ونموها في القرن التاسع عشر»، الذي صدر العام 1967 كرسالة دكتوراة، وأيضاً المستشرق الإنجليزي إيفانز بريتشارد في كتابه «السنوسيون في برقة»، الذي ترجمه عمر الديراوي بوحجلة، واعتمد الدجاني في كتابه على رسائل كانت بحوزة الشيخ منصور المحجوب شيخ الجامعة الإسلامية، كان قد بعث بها السنوسي وخليفته المهدي إلى جد المحجوب شيخ زاوية الطيلمون، وعلى وثائق بدار المحفوظات، وعلى كتاب «السنوسي الكبير» لمحمد الطيب الأشهب، أما بريتشارد عالم الاجتماع والأنثربولوجيا فقد كان في خدمة الاستعمار البريطاني في السودان، حتى أنه عيِّن في وظيفة أطلق عليها أنثربولوجي الحكومة، وكانت مهمته النفاذ إلى معتقدات القبائل السودانية مثل الدنكا والشلق والنوير والزاندي لترويضها، وبعد أن عمل في دراسة العلويين في سورية، عيِّن العام 1944 كمستشار للإدارة البريطانية في ليبيا حيث تفرغ لدراسة الحركة السنوسية، ليصدر كتابه العام 1949.

إذا عرفنا دوافع بريتشارد من تأليف كتاب عن الحركة السنوسية، خاصة وأن بريطانيا تستعد لتسليم ليبيا لحفيد مؤسس الحركة السنوسية، فما هي دوافع مفكر فلسطيني لا يخفي توجهه الإسلامي والقومي، ليكتب كتاباً عن جزء من ليبيا في القرن التاسع عشر، وليصدر كتابه في نفس عام النكبة الثانية لبلاده فلسطين، ولا ننسى أن الدجاني أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية، ولهذا فهو يجمع بين التكوين الثقافي النظري والعمل الحركي من أجل قضيته، وكأنه يقدم اجتهاداً لكيفية تحرير فلسطين اعتماداً على حركة تنبع من التاريخ والتراث الإسلامي.

يعود الدجاني في كتابه إلى كتاب «إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن» لمحمد بن علي السنوسي، لكتابة سيرة السنوسي نفسه، فبعد أن استكمل تعليمه في مستغانم، سافر إلى جامعة القرويين في فأس أقدم جامعة في العالم، حيث درس على كبار علمائها، وهكذا تشكلت شخصية السنوسي من ثلاثة خطوط رئيسية، وهي التصوف والدراسات الفقهية، التي لجمت الشطح الصوفي بحدود الشرع، أما الخط الثالث فهو اهتمامه بالحركات السياسية في عصره، أو العمل على إصلاح الأمة والتي كانت تخضع لجور حكامها الأتراك ومطامع الغربيين في الاستيلاء عليها، وبعد أن استكمل دراسته في القرويين عيِّن مدرساً وواعظاً في فاس، وواجه لأول مرة الجماهير والسلطة.

الجماهير تعلقت به والسلطة رغبت في خدماته والعمل في بلاط مولاي سليمان سلطان المغرب، ورفض السنوسي أن يكون خادماً في بلاط أحد، مما جعله يغادر فاس عاصمة أجداده الأدارسة ومؤسسي الجامعة التي تخرج فيها على يد السيدة فاطمة الفهرية، ليشد الرحال إلى بلد أجداده الأصلي في الحجاز، أي أنه مبكراً أدرك أن عليه أن يعيد نفس الصيرورة التي رسمها أجداده، ومن نفس المنبع الذي خرجت منه، وهناك على جبل أبي قبيس بمكة أسس أول زاوية له، وفي طريقه إلى الحجاز مر بمدن الجزائر ثم قابس في تونس، ثم طرابلس فمصراته فبنغازي ثم مر بالجبل الأخضر وأخيراً القاهرة، وقد تمكن محمد علي من الانفراد بالسلطة، ووجد الأزهر في أسوأ أحواله من ناحية التعليم ونوعية شيوخه مقارنة بشيوخ فاس، ووصل إلى الحجاز العام 1825 التي كانت تحت حكم محمد علي باشا مصر، حيث قابل معلمه الأبرز أحمد بن إدريس وهو عالم سلفي صوفي، اضطر للرحيل عن الحجاز إلى نجد حيث احتك مع الوهابيين قبل أن تسوء العلاقة معهم، وفي مكة تزوج السنوسي زوجته الثانية خديجة الحبشية التي رضيت بحياة الترحال والتنقل والتي توفيت في الجغبوب بعد وفاة زوجها بعشرين سنة.

بعد وفاة أحمد بن إدريس في صابيا باليمن قرر السنوسي مغادرة الحجاز، ومكث في واحة سيوة تسعة أشهر، قبل أن يصل إلى واحة جالو ثم أوجله، ومنها رحل إلى برقة البيضاء ثم سرت فمصراتة فطرابلس ثم توجه إلى قابس، ولكنه عاد مجبراً إلى طرابلس حيث نزل عند عائلة المنتصر المصراتية، وأخيراً قرر الرحيل إلى الجبل الأخضر حيث أقام في زاوية البيضاء. مما سبق يتبين أن برقة كانت آخر خيار أمام السنوسي لتأسيس حركته، ولجأ إليها مضطراً بعد أن فشلت تجاربه في كل مكان آخر، وبعد أن احتل الفرنسيون وطنه الجزائر، واختار السنوسي موقعاً استراتيجياً لبناء زاويته بحيث يمكن الدفاع عنها، ويجمع المؤرخون على أن اختيار السنوسي لبرقة، يرجع إلى أن الأتراك لا يتجاوز نفوذهم منطقة الساحل، كما أن باديتها تفضي إلى أفريقيا، وهي في حاجة إلى دعوته بسبب الفراغ الذي تسبب في نزاعات بين قبائلها، وأيضاً بسبب تفشي الجهل بين سكان باديتها، ومع ذلك فبعد زواجه الثالث ومولد ابنه المهدي في البيضاء العام 1844عاد مرة أخرى إلى الحجاز حيث أقام ثماني سنوات، وهناك أسس المزيد من الزوايا في الطائف والمدينة وينبع وجدة، وهو في الحجاز استمرت حركته في النمو في برقة، بينما وصلت إلى القبائل البدوية في صحراء نجد وحتى اليمن.

من الواضح أن السنوسي كان يفكر في الحجاز أكثر من برقة، معتقداً أن دعوته إذا نجحت في مهد الإسلام في مكة والمدينة، ستنتشر بسرعة البرق في العالم الإسلامي، وسيعود هذا العالم للنهوض مرة أخرى ليواجه الاستعمار الغربي، وليستعيد الخلافة من الأستانة ومن العنصر التركي إلى العرب وإلى مهد الخلافة في المدينة، وعندما أدرك استحالة ذلك رضي من الغنيمة بالإياب إلى برقة، حيث توفي العام 1859 تاركاً لابنه المهدي استكمال مشروعه النهضوي، الذي توسع حتى شمل غرب السودان وشمال تشاد، ثم انتهى على يد الطليان والفرنسيين، ولم يكن لخلفاء المهدي نفس التكوين لمواصلة المسيرة، فأحمد الشريف وافق على مهاجمة القوات البريطانية في مصر، وترك القوات الإيطالية خلفه، وإدريس السنوسي راهن على الإنجليز لتحرير ليبيا من الطليان، فماذا كان سيفعل إذا فشل الرهان، وأخيراً أصبح ملكاً على هذا الجزء من العالم الإسلامي، بينما كان جده يسعى لحكم العالم الإسلامي كاملاً.

لماذا لم يفكر السنوسي في اللحاق بمعلمه أحمد بن إدريس إلى صابيا في اليمن؟ حيث يمكنه تكوين عصبية قبلية قوية تضمن له السيطرة على اليمن ونجد والحجاز، مثلما فعل فيما بعد عبد العزيز آل سعود والدعوة الوهابية، ربما لأن الاثنين اصطدما بالأفق الضيق للحركة الوهابية واستنتجا أنه لا يمكنهما النجاح في نجد، خاصة وأنهما غريبان عن المنطقة، فإدريس مغربي من سلالة الحسن مثل الجزائري السنوسي، ولهذا قفل راجعاً إلى الجغبوب هذه المرة، ليكون عصبية قبلية تكفي لبناء حركة تفضي إلى حكم ليبيا فيما بعد، ولكنه نجح جزئياً في بناء حركة وفقاً للتصور الخلدوني.

القذافي الذي جاء من بادية المنطقة الوسطى نجح في الوصول إلى السلطة من طريق أقصر، ومن خارج التصور الخلدوني وبنسب لا يقارن بنسب السنوسي، ولكنه وهو يكرهه بكل جوارحه حتى أنه هدم ضريحه ورمى برفاته في الصحراء، كرر نفس ما فعل السنوسي بتأسيس المثابات الثورية، وبنى عصبية قبلية وهمية «خوت الجد»، ولكنه لم يمتلك نفس الرؤية الثاقبة التي كانت للسنوسي، فالأخير لجأ إلى البادية باعتبارها أفضل مكان لبناء حركة للنهوض بالعالم الإسلامي، ولكنه ولِد وتربى ودرس في المدينة، والثاني ولِد في البادية وجاء لينتقم من المدينة، فانتصرت عليه المدينة ممثلة في بنغازي ومصراتة والزاوية وطرابلس، وتخلت عنه البادية في برقة والزنتان، وانتهت رفاته في الصحراء في قبر مجهول، بينما سيعيش السنوسي في الوطن الذي اختاره أطول من القذافي بكثير لأنه كان صاحب مشروع حقيقي، بينما كان القذافي مغامراً أو مقامراً ابتسم له الحظ ثم خانه دون رحمة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»