يعتقد الكثير من المهيمنين على القرار الإداري والمالي عندنا أن مجرد إشراك الجهات الرقابية فيما يتم تنفيذه من المشروعات وما يُنفَقُ عليها من ملايين الدولارات كفيل بتفادي الاتهام بشُبهة الفساد وما يستدعيه من الإدانة الأدبية والقانونية، فتراهم لا يسأمون التوكيد على أن كل ما يأمرون به من النفقات لا يخلو من قرار أمر صرف بشأنه دون إرفاقه بالمستندات المؤيدة لهذه الاحترازات القادرة على شرعنة كل ما يخشى عليه من مجافاة السلامة.
ولا سيما في الفترات التي يزداد بها اهتمام الناس بشؤونهم وعدم اكتراث البعض بما يولونه منها وإذا بهم لا يستنكفون الإفساد المدمر في تسييرها، وأكثر من ذلك لا يتورعون تجاه أي روائح كريهة تفوح عنها، مما جعل الحديث عن أكثر المسؤولين ـ إن لم نقل جميعهم ـ لا يتردد إلا بما يحقق لهم من صنوف الاستفادة ما لا أُذنٌ سمعت، ولا عينٌ رأت, ولا خلا منه عهد سابق ولا لاحق، ولا حديث لهم أكثر من الإصرار على التنصل من أي خطأ ولو ثَبُتَ بشأنه ما لا حصر له من المستمسك البيّن ذلك الذي يستطيع كل من يفقه أبجديات المراجعة أن يستخرج منه مسببات الإدانة، ليحكم من خلالها بعدم أهلية كل من يثبت عليه الإخلال بها عند مراجعة أي إنفاق من الإنفاقات، كيف لا! ونحن نعلم أن أبسط ما ينبغي أن تقوم عليه أي سياسة مالية تلتزم بها أي سلطة تنفيذية هو أن تقدم تقديرات الميزانية المقترحة والمفصلة أبوابًا وبنودًا وأوجه صرف وفي تفصيل واضح لا مجال فيه للاجتهاد.
ومن ثم يتم صرفه بأذونات واضحة البيان، محددة الأرقام، تسبقها ـ عادة ـ الموارد المقدرة من دخل الثروات الطبيعية، والصادرات السلعية، والأداءات الضرائبية، تلك التي لا تحول دونها الإعفاءات المقررة من السلطة التي تمتلك الإعفاء.
إنها الميزانية المقترحة لتسديد الاحتياجات وإلى جانبها الإيرادات، ويُطلق عليها في المجمل قانون الميزانية، وليس من حق أي مسؤول تغيير التصرّف من دون إذن مسبق تقترحه وتوافق عليه السلطة التشريعية أولًا والتنفيذية ثانيًا والملك أو الرئيس أخيرًا، شريطة أن يتم ذلك علنًا وتختم عليه سلطة المحاسبة العليا في تقرير يُطبع ويوضع تحت تصرف كل من يرغب أو يجب عليه أن يقرأ ويدون ما يؤكد القراءة.
وآخر يطلق عليه اسم الحساب الختامي؛ أي المبين لما صُرِفَ بالفعل، لا فرق أن يوجد الوفر أو الصرف بالتجاوز، وهي الوضعية التي توصَف بالشفافية باعتبارها لا تخفي أي قرش أُنفِقَ بما في ذلك ما يخص المسؤولين، أولئك الذين كثيرًا ما يحكم عليهم من خلال مستوى معيشتهم ومعيشة من يعولونه، فكان السؤال الذي لا مفر لأحد من الإجابة عنه في القول المعروف من أين لك هذا؟ كلما لوحظ المظهر اللافت في الملبس والبيت والمناسبات.
وعندما يمعن بعضنا في فسادهم الذي تدل عليه مظاهر كسبهم غير المشروع في حياتهم مما لا حديث في حلقات التواصل الاجتماعي إلا حوله، فلا يزيد المعنيون إلا إمعانًا في قبح خصالهم، فليس لكل ذي عقل غير أن يسخر بسبب بسيط وهو حتمية الزوال والخروج المساوي للدخول مهما كانت الأسمال والزينات.. والسعيد دومًا من ضحك أخيرًا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات