2025 رقم في ذاكرتي وليس مجرد عام جديد يطل كالعام الذي قبله في الدول الاستاتيكية التي تؤمن أن الاستقرار أهم من كل شيء، حتى وإن كان الاستقرار نوعًا من الجمود، ورغم كل الصراعات والحروب عبر التاريخ فإن مجتمعاتنا العربية ظلت مستقرة فكريًا ومتوقفة عند اللحظة التي اكتشفوا فيها أن الجمود نوع من الصلابة.
2025 رقم أليف جدًا بالنسبة لي على الأقل، ومنذ عدة سنوات كان له وقع الحلم، ويتبدى لي الآن أنه كان ذكرى نعيشها في المستقبل إلى أن حانت، يُذكرني بمشروع وطني انخرطت فيه متعاونًا قبل 17 عامًا: «مشروع ليبيا 2025 رؤية استشرافية»، بهندسة وإدارة د. محمود جبريل رئيس مركز التخطيط الوطني آنذاك، وبتنفيذ مركز دراسات وبحوث (جامعة قاريونس) آنذاك، ويبدو أن (آنذاك) ستستمر معي في هذا الشجن الذي يبدأ من آنذاك إلى آنهذا دون أن نغادر إفريز تلك الأحلام التي كانت ممكنة بقدر عصيانها في فكر يعتبر التحجر سلوكًا للطبيعة ومنسكًا للصبر.
اتصل بي الصديق نجيب الحصادي المكلف ضمن هذا المشروع بقطاع الثقافة والعلوم، ولأنه يجوز لكل مكلف بقطاع أن يستعين بمن يراه، استعان نجيب في قطاعه بشخصي وبالكاتب والشاعر محمد الفقيه صالح، وأخمن أن هذا الاختيار بقدر ما ينزع صوب الألفة كانت ترشحه نزعة منطقية لرجل غاص عميقًا في المنطق وفلسفة العلوم، ففضلًا على ما حدث من تناغم بيننا في القيام بأنشطة ثقافية سابقة (كخمسينية الشاعر إبراهيم الأسطى عمر 2001) رأى فيَّ مختصًا في العلوم ومهتمًا بالشأن الثقافي، ورأى في الشاعر محمد الفقيه صالح مثقفًا وكاتبًا يتوخى المنهج العلمي في كتاباته، النثرية خصوصًا، رفدًا لهذا المشروع المرتبط في جوهره بفكرة الحلم بل بالخيال نفسه، إضافة إلى ما يوليه د. نجيب للصياغة اللغوية الدقيقة من أهمية لأنه يؤمن أن أهمية الأفكار لا تكفي إلا إذا سُبكت في أسلوب يتماهى مع أهميتها، وبدقة تدرأ الالتباس ما وسعها ذلك، وفي هذا الجانب كان الشاعر محمد الفقيه صالح ورئيس الفريق د. زاهي المغيربي حاضرين بقوة وتركيز.
أخمن هذا وأضيف أنه ربما رأى فينا المرونة و(وسعة البال) المهمة في عمل يتعلق بالأحلام في أرض تحف بها الكوابيس من كل جانب، ودون سعة بال لن نتقدم خطوة، وهذا ما أثبته مسار العمل في هذه الرؤية المجازفة (آنذاك) والتي تعرضت لعراقيل لا تحصى من الحرس القديم وصل إلى التهديد باستخدام السلاح كما حدث في الجامعات الليبية منتصف السبعينيات.
حدثني نجيب عن هذه الرؤية وعن اجتماع الفريق المقترح من مركز البحوث مع د. محمود جبريل، الذي أعطى فكرة عامة عن مشروعه، وعن أسئلة الحاضرين التي مفادها: هل ثمة ضوء أخضر في هذا المشروع؟ وما هو سقف هذه الرؤية؟ أجاب صاحب الرؤية: أنه لا ضوء أخضر من أي سلطة وأن الضوء الأخضر ما عاد يوجد حتى في إشارات المرور، وأنه قد يلقى بكم في السجن، وأنه قد «أُشد من أذني» ـ كما قال ـ وأُعاد إلى المكان الذي جئتُ منه في أفضل الأحوال، فمن يريد أن يتحمل المسؤولية يبقى، ومن لا يريد عليه أن ينسحب، وعن سؤال السقف، أجاب لا سقف لهذه الرؤية لأن طبيعتها أن تشطح وتحلم وتسعى للمثال، وأضاف أن الكرة الآن في ملعبكم وأنتم خبرات وطنية أمامكم ليبيا وما تزخر به من إمكانات وفرص فاكتبوا لها مستقبلًا كما ترونه، وبإمكانكم أن تستعينوا بأي خبرة من الداخل أو من خارج ليبيا. ويعني الكفاءات الليبية خارج الحدود.
أكتب الآن هذا الكلام من الذاكرة وكما أخبرني نجيب، ورغم ذاكرتي التي تخذلني أحيانًا إلا أن لحظات مثل هذه وكلام مثل هذا في ذاك الوقت العصيب عصي على النسيان.
زودني نجيب بعدة رؤى استشرافية لدول أخرى كي آخذ فكرة، ثم بنسخ من الدراسات التي قُدمت في مؤتمر سابق أقامه مركز بحوث برعاية مجلس التخطيط عن السياسات الليبية كي أقرأها وأختصرها، واستغرقت في هذا العمل منبهرًا بتلك الدراسات التي لم أطلع عليها إلا (آنذاك) جرأتها ومنهجيتها وأهميتها لأي راغب في الإصلاح.
وبدأنا في الاجتماعات وجلسات العصف الذهني واختيار أسماء الخبرات الليبية التي سيستعين بها الفريق في كل مجال، من الاقتصاد إلى الموسيقى، ومن الأمن الوطني إلى الماء والبيئة واستكتب أكثر من 100 خبير ليبي في كل المجالات لتوفير قاعدة بيانات مهمة ينطلق منها المشروع، كما أقيمت اجتماعات في عدة مدن ليبية تلتقي وتتحاور مع نخب تلك المدن.
وفي قلب عواصف تهب من كل مكان ثابر الفريق وعاند لإكمال هذا المشروع الذي أفضى إلى كتابة ثلاثة سيناريوهات محتملة وهي: (1) سيناريو استمرار الأوضاع الراهنة و(2) سيناريو ثقافة النهوض والتنمية المستدامة و(3) سيناريو الاحتواء.
كنا قد تلقينا ورشة عمل مكثفة في دبي عن آلية كتابة السيناريوهات المستقبلية للدول من قبل شركة دولية للتخطيط الاستراتيجي لا يحضرني اسمها ولا اسم البروفيسور مدير الورشة ومحاضرها والذي أذكر أنه أستاذ في الفلسفة، وفي دول ومجتمعات ديناميكية يقلقها الاستقرار بمعناه السلبي يشارك المختصون في الفلسفة في مجالات عدة أهمها البحث والتخطيط الاستراتيجي في الوقت الذي في بيئتنا المزدرية للفلسفة نعتبر أن لا سوق عمل لهذا الاختصاص، وأكثر ما يفضي إليه معلمٌ في التعليم المتوسط أو محاضرٌ في الجامعات على طلاب وجِّهوا لهذا الاختصاص باعتبار درجاتهم المتدنية في الثانوية العامة، ولا علاقة لهم بالفلسفة وما يحيط بها.
كانت لازمة د. محمود جبريل المتشائلة أن هذه الرؤية تحتاج إلى إرادة سياسية لتطبيقها وهي غير متوفرة، ولكن في جميع الأحوال ستكون مدونة ضمير خبرة ليبي في أرشيف هذا الوطن، وقد تتغير الأحوال ويأتي من يلتفت إليها، وبالنسبة لي شخصيا ـ كما قال جبريل ــ في لقائه الأول: أنا استُدعيت لهذا المنصب الحساس عندما كنت خارج ليبيا، غير أن ضميري العلمي يمنعني من أن أصبح أحد تروس هذا النظام. إنها مدونة ضمير وطني.
في ورشة السيناريوهات قال لنا المحاضر إن الحدوس المستقبلية مهما توخت العلم والإحصاء والتنبؤ إلا أنها يمكن أن تخيب وتفاجأ بتغيرات لا تخطر على بال المخطط مهما كان دقيقًا أو خياله شاطحًا، وضرب أمثلة كثيرة على ذلك. نحن نخطط وللتاريخ حين يستيقظ خططه غير المتوقعة، ورغم أحلامنا المتطرفة وشطحات خيالنا إلا أنها لم تصل إلى التنبؤ بما حدث في بداية العام 2011 في المنطقة وفي ليبيا. ثورة شعبية عارمة تسقط، بعد 3 سنوات من صياغة الرؤية، النظامَ القابع منذ أربعة عقود خلال 8 أشهر لم تخطر على بال أكثر الحدوس تفاؤلًا أو حتى جنونًا.
حين خاض د. محمود جبريل بحزبه انتخابات 2012 قدم برنامجًا عمليًا بمختصر هذه الرؤية التي أشرف على كل تفاصيلها، وقدم أرقامًا وإجراءات ومشاريع مدروسة، ولم يكن مشروعه الانتخابي مجرد إنشاء وشعارات مثل الأحزاب الأخرى، وربما لهذا السبب انتخبه الليبيون بأغلبية ساحقة، لأنهم قرفوا من الشعارات والخطب الرنانة التي أفضت بهم إلى العدم والجمود بعد أربعة عقود.
بعد سقوط النظام من المفترض أن تكون العقبة الرئيسية أمام تطبيق الرؤية قد انزاحت وهي (الإرادة السياسية) غير أن من تصدروا المشهد كانوا مشغولين بالغنيمة وبالصراعات والمصالح الشخصية ولم يلتفت أحد لهذه المدونة الجاهزة، وللإنصاف حدث فترة حكومة علي زيدان أن طلب رئيس مجلس التخطيط الوطني في حكومة علي زيدان من فريق الرؤية إعادة تنقيحها بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة، وتواصل معي الصديق نجيب الحصادي بهذا الشأن، وللتاريخ لم نبدل أي كلمة وردت فيها، وما قمنا به إضافات تتعلق بـ«التحديات» الجديدة والتي كان أهمها (انتشار السلاح) الذي لم يكن تحديًا قبل ثورة فبراير، وبـ«الفرص المتاحة» الجديدة التي من المفترض أن يكون أهمها توفر الإرادة السياسية بعد التغيير، وبيقظة هذا الجيل الحالم والمؤهل لقيادة البلد وعودة الكثير من الكفاءات إلى الوطن.
غير أن من يعتبرون أن كل شيء بدأ من الصفر مع ثورة فبراير وكل ما كان قبله رجعيًا أو محسوبًا على النظام السابق، اقترحوا تشكيل لجنة جديدة لكتابة رؤية صفرية جديدة، خصصوا لها صفحة على منصات التواصل، وحين أطلعت على بعض اقتراحاتها وتوجهاتها اكتشفت أن ليس لها علاقة مطلقا بجوهر الرؤى الاستشرافية، بل تذهب إلى التخطيط التقليدي حيث كل قطاع ينفرد بنفسه دون التفكير في أن كل القطاعات مؤثرة في بعضها البعض ولا بد من كتابة سردية تجعلها في تناغم للوصول إلى أهداف الرؤية المجدولة على مراحل.
ها هو أجل الرؤية الذي من المفترض أن تتحقق فيه أهدافها أو تقطع شوطًا مهمًا صوبها يمر، غير أن الأهم الذي حصل هو نهاية هذا النظام برمته بدل محاولة تفكيكه منهجيًا وسلميًا وهو الأمر المستحيل في ظل مثل هذه الأنظمة المغلقة، غير أن أيديولوجيا من تصدروا المشهد للأسف تحاول العودة بنا قرونًا إلى الخلف بدل أن التحديق في المستقبل أو رسم خططه كي نلحق بهذا العالم الراكض، ويحاولون جر مجتمع متحمس للحياة والمستقبل والنور إلى زمن الظلام، لكن الحياة ستنتصر لأن هذا ديدنها الذي سميت بسببه (حياة) أما ثقافة التجهم والجمود والتغني بالموت فلا يمكن إقامتها إلا في المقابر.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات