Atwasat

استقلالٌ حمل معولَ هدمه

أمين مازن الأحد 29 ديسمبر 2024, 02:40 مساء
أمين مازن

كلما حلَّ الرابع والعشرون من ديسمبر الذي شهد إعلان استقلالنا منذ ثلاث وسبعين سنة مضت، لن يُستغرَب ما لا تسأم الفضائيات بثه عن أحداث ذلك الاستقلال وما رافقه وتسبب فيه من كفاح سنوات الحرب وأيام الهجرة، وإنما فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي لم تكد تشهد توقف المدافع وإبرام الصلح بين المتحاربين وفي مقدمتها ليبيا التي شهدت انتصار مونتغمري على رومل من ناحية، وانتصار قيادة تشرشل على موسيليني وهتلر من ناحية أخرى، حيث انتحر النازي وقُتِلَ الفاشي، وقرر الشعب البريطاني أن يمنح ثقته في أول انتخابات تلت الحرب لغير تشيرشل!

فقد كانت ليبيا هذه في مقدمة ما طُرح في اجتماعات المنتصرين وما عُرِفَ عن بعض النابهين من أبنائها من المسارعة بطلب الاستقلال وما يستدعي ذلك من تشكيل الأحزاب والسعي لتوحيد الكلمة والتواصل مع كل من رؤيَ فيه الأهلية لتقدم الصفوف كما حدث في طرابلس عندما نهضت عقب الاحتلال البريطاني مباشرة لتُشَكِّلَ الجبهة الوطنية المتحدة وإيفاد السيدين محمود المنتصر والطاهر المريّض لدعوة السيد إدريس السنوسي في مهجره المصري لاستئناف العمل الوطني تأسيسًا على بيعة مؤتمر غريان.

تماماً مثل ما سبق ذلك الاتصال الذي قام به أمثال العيساوي بوخنجر والهادي الرويمي وبلقاسم العيساوي وغيرهم، مبدين استعدادهم للتعاون مع الجيش الثامن في غرب البلاد قاصدين منه دون شك إثبات حقهم في تقرير مصير البلاد والذي كان لا بد أن يتقرر مع انتهاء الحرب وحجم المساهمة فيه، وهو التوجه الذي طلبه الإنجليز من ليبيي المهجر المصري وفي مقدمتهم السيد إدريس بحكم ما لديه من رصيد شعبي يعود إلى سنوات الكفاح الأولى ضد إيطاليا واعتراضه على الهجوم الذي نُسِبَ إلى السيد أحمد الشريف على البريطانيين قصد التخفيف على الأتراك، مع أنه لم يكن صاحب رأي فيه كما أكد المقربون منه، وكذلك إبرامه لمعاهدتي الزويتينة وعِكرْمة.

إنها المرحلة التي اشتهرت بكثير الخلافات كما حفظت الوثائق البريطانية التي أرّخت للسلطة البريطانية في برقة وطرابلس بدايةً من الثاني والأربعين وحتى الثاني والخمسين من القرن الماضي وتلتها المجلدات الأربعة التي أنجزها الدكتور المقريف عن حكومات الاستقلال وما حققته من الإيجابي وأخفقت فيه فاعتبر ضمن السلبي.

هي مراجع تؤكد تفرّد السيد إدريس بين جميع مجايليه، وعلى رأسها الكتاب الصادر عن إدارة التوجيه المعنوي للجيش الليبي تحت عنوان حقيقة إدريس عقب سبتمبر 69 والذي خَدَمَ الرجل من حيث لا يقصد كما ذكرتُ في حوارٍ دعاني إليه في مدينة الكفرة وعلى مقربة من قبر الإمام السيد المهدي السنوسي سيف الإسلام القذافي، بدأتُ فيه إجابتي على أسئلته التي بدأت بالملك وحكومات الاستقلال التي شكلها ولم يبخل الرجل بتثمين إجاباتي في حضوري وغيبتي.

فقد اعتلى الرجل عرش ليبيا وهو في الرابعة والخمسين من العمر، ولم يُرزَق بخَلَفٍ من السيدة فاطمة أحمد الشريف، مما دعاه في وقتٍ لاحقٍ إلى أن يتزوج للمرة الثانية من عالية لملوم في احتفالٍ مُعلنٍ هنأه عليه شاعر الوطن أحمد رفيق، ومع أن كل البيعات التي مُنِحَت له من الشعب الليبي كانت محصورة في شخصه وأبنائه من صلبه وآخرها التي تمت مع إعلان الدستور، فقد سَمَّى أخاه الرضا وليًا للعهد، فإذا ما أدركته المنية خلعها على ابنه الحسن وقد جاء ذلك عقب إقدام الشريف محي الدين على اغتيال ناظر خاصته إبراهيم الشلحي وإحلال ابنه البوصيري.

وفي وقتٍ لاحقٍ تعيين الابن الثالث عمر مستشارًا، وظل أقرب من سواه حتى المرحلة التي دامت أشهرًا إلى أن أعلن التنظيم العسكري إسقاط العرش وإعلان النظام الجمهوري وسرعة الاعتراف الدولي به، وذلك بعد حكم دام ثماني عشرة سنة شُكِلت أثناءها إحدى عشرة حكومة ومدى زمني لا يصل العامين، الأمر الذي لم يُبقِ معه أي ولاء بمن في ذلك أقرب المستفيدين منه، مما جعل الذي قُدِّرَ له أن يسود طوال العقود الأربعة يتبنّى ذات الخط وإنْ يكن قد راهن وكسب الرهان أن يعم الخسران الجميع.

ولو أراد المتابع أن يوجز لَمَا صَعُبَ عليه القول بأن الاستقلال أملته المصالح المشتركة وزوال العهد والعلم والنشيد سمحت به المصالح المشتركة، وحدث ما حدث بسبب تضارب هذه المصالح، والخوف كل الخوف أن يختفي المكان الذي يقام فيه العلم ويتردد النشيد أو أي ما يشير للوجود بصلة، وعندما يتنافس الكثيرون على ذكر ما حدث وما لم يحدث، وليس لهم من مصدر سوى السمع، فعليهم أن يعلموا أن الزمن لا يعود إلى الخلف وأن التاريخَ سجلٌ حَوَتْ صفحاته كل شيء، فإذا ما اعتقد أحد إمكانية العبث، فعليه أن يدرك أن للحقيقة وجها واحدا قد يختفي بعض الوقت ولكنه يبقى كما هو طول الوقت. فقد أعلن الاستقلال منذ ثلاث وسبعين سنة، ولكنه حملَ معول هدمه معه.

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»