,ليبيا,«دستور الاستقلال»,المصالحة الوطنية,المصرف المركزي تأسس قيام دولة ليبيا على قرار أممي دولي، وترسيخه عبر اتفاق سياسي مفصل تمثل في «دستور الاستقلال».
هذا الدستور، الذي كان في وقته تقدمياً وحداثياً، شكّل الأساس لقيام المملكة الليبية المتحدة، رغم معارضة بعض الدول التي اختلفت في رؤاها ومصالحها وهي اختلافات لا تزال قائمة إلى اليوم.
هذا جاء الإنجاز في حقبة شهدت بروز التيارات الاشتراكية العسكرية الشمولية، التي تسربت الي ليبيا المختلفة عبر الإعلام والتعليم ولم يكن انقلاب العام 1969 على النظام الملكي معزولاً عن سياق تلك الحقبة وشعاراتها السائدة (المساواة - السيادة - تحرير فلسطين) ومع ذلك، فقد أثبتت هذه الأنظمة تدريجيًا فشلها في تحقيق شعاراتها المتمثلة في الوحدة والتحرير والعدالة الاجتماعية؛ إذ تحولت إلى أنظمة استبدادية أمعنت في انتهاك حقوق شعوبها وكرامتها الإنسانية.
رسائل بمناسبة ذكرى الاستقلال
في هذه المناسبة، يمكن استشفاف اتفاق القوة الفاعلة على توجيه رسائل مهمة إلى السياسيين والليبيين عمومًا والخارج كذلك: هذه الرسائل تضمنت:
1- التأكيد على أهمية وجود دستور جامع يرسِّخ أسس الدولة المدنية.
2- التفاعل مع تطورات المنطقة وانعكاساتها على الوضع الليبي، مع التشديد على وحدة ليبيا وسلامة أراضيها.
3- الدفع نحو المصالحة الوطنية الشاملة بين مختلف أبناء الشعب الليبي.
4- رفض الحلول السياسية التقليدية والمكررة التي لم تحقق الاستقرار المطلوب والمقصود بها مبادرة السيدة ستيفاني خوري الأخيرة.
التوافق الدولي والمحلي على رؤية مشتركة:
هناك ملامح اتفاق، ولو ضمنيًا، بين القوى الفاعلة دوليًا ومحليًا على رفض النهج القائم على الفوضى الأمنية، وهو ما بدا جليًا من خلال الالتفاف حول قضايا وطنية مشتركة. هذه القضايا، التي ترتكز على المصالحة الوطنية، الدستور، والسيادة، تمثل مشروعًا وطنيًا إذا صدقت النوايا. ومع ذلك، يبقى السؤال الملح: كيف يمكن تحقيق هذه الأهداف بشكل واقعي مع كل هذه التحديات الاقتصادية والإدارية؟
من المسلم به هشاشة الوضع الحالي في ليبيا، القائم على استقرار غير ناضج ومستند إلى تقاسم غير صريح دون إطار قانوني ولذلك تقاسم غير شفاف للسلطة، والموارد، وهذا زاد من الصعوبات أمام البلاد عموماً فنلاحظ:
1- الفساد المستشري، كما ورد في تقارير ديوان المحاسبة ولجنة العقوبات الأممي والذي يهدد استمرار كيان الدولة.
2- انخفاض موارد المصرف المركزي إلى النصف بسب مشروع المبادلة مما سيؤدي إلى عجز في المالية العامة، ويهدد قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية، خاصة مع تزايد الرقابة الدولية على الأصول والاحتياطات النقدية التي ستعوق تمويل العجز.
3- غياب الحوكمة الفاعلة، الذي أدى إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والخدمية مع الإصرار على رفض ميزانية موحدة وفق مرجعية الاتفاق السياسي، أي بتفاهم مجلسي النواب والدولة أو عبر لجنة مالية عليا يشكلها المجلس الرئاسي.
لهذا ولتعزيز مسارات الإصلاح وللحفاظ على الاستقرار وتحقيق الإصلاح، هناك حاجة إلى العمل على ثلاثة مسارات متزامنة كما يري المجلس الرئاسي:
1- المسار الحقوقي والقضائي: الفساد وخاصة الضخم المرتبط بالطاقة والانقسام المؤسساتي بطبيعتهما يهددان بشكل مباشر سلطة القضاء والقانون وتعززان بروز مجموعات الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود مما يهدد حقوق الإنسان،
لذلك فإن تعزيز التكامل بين القضاء الوطني والدولي، وحماية استقلالية القضاء الليبي، من خلال شراكات مع الأمم المتحدة ومؤسساتها عبر مجلس حقوق الإنسان ومحكمة الجنايات الدولية ولجنة العقوبات لضمان المحاسبة ومنع الإفلات من العقاب.
2- الشفافية والحوكمة: تعزيز الشفافية المالية عبر قيادة مشتركة ورقابة فاعلة على المصرف المركزي، إلى جانب وضع ترتيبات مالية موحدة تشمل مراجعة سياسات النفط والطاقة.
3- المسار السياسي: تجاوز حالة الانسداد السياسي من خلال الاحتكام إلى الشعب عبر الاستفتاء على مشروع الدستور، الذي أقرته هيئة صياغة الدستور بموجب قانون البرلمان والتعديل العاشر للإعلان الدستوري 2018 المعزز باتفاق الغردقة في يناير 2021 بين المجلسين وبرعاية الأمم المتحدة.
الحل السياسي الممكن المعبر عن خطابات الذكرى:
الاستفتاء على مشروع الدستور
الاستفتاء على مشروع الدستور بغض النظر عن مضمونه، الذي أرفضه وسأصوت ضده، يمثل مخرجًا حقيقيًا من حالة الجمود السياسي، إذ يمنح الشعب فرصة إقرار المشروع أو رفضه وفرص رفضه اوسع لصعوبة تمريره وفق نص القانون، وفي حال رفضه، يُتاح المجال لإعادة كتابة مشروع دستور جديد عبر نفس الأعضاء أو من خلال انتخابات جديدة أو لجنة خبراء.
هذه الخطوة ستؤدي إلى حوار سياسي عميق، يعكس طموحات الشعب الليبي ويُترجم إرادته الوطنية، ولكن ذلك يستوجب معالجات حقيقية للفساد غير المسبوق وحماية السيادة الوطنية.
خاتمة
في الذكرى الثالثة والسبعين لاستقلال ليبيا، تبرز الحاجة إلى رؤية وطنية جامعة ترتكز على المصالحة، السيادة، والدستور. مطالب يبدو الجميع مهمومين بها، لكنها تحتاج لأكثر من الخطاب والحديث والشعارات، كي لا تسقط كما سقط أصحاب الشعارات دائماً، ليدفع الشعب والوطن الثمن كالعادة وأبداً.
__________________
* مستشار رئيس المجلس الرئاسي لشؤون التشريع والانتخابات
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات