Atwasat

السياب في الستين

سالم الكبتي الأربعاء 25 ديسمبر 2024, 01:44 مساء
سالم الكبتي

‭»‬رحل‭ ‬النهار

هو‭ ‬لن‭ ‬يعود»

لم‭ ‬يكن‭ ‬فيلسوفاً‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬منظِّراً‭. ‬كان‭ ‬شاعراً‭ ‬كبيراً‭. ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الفلسفة‭. ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬التنظير‭. ‬قدم‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬إلى‭ ‬البصرة‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭. ‬ولد‭ ‬بها‭ ‬العام‭ ‬1926‭. ‬خرائب‭ ‬القرية‭. ‬جيكور‭ ‬المتهدمة‭. ‬منزل‭ ‬الأقنان‭. ‬دار‭ ‬جده‭ ‬وصياح‭ ‬البط‭ ‬البري‭ ‬عبرها‭. ‬ونهر‭ ‬بويب‭. ‬والشط‭ ‬والنخيل‭. ‬عراجين‭ ‬النخل‭ ‬والمواويل‭ ‬وأناشيد‭ ‬الحزن‭. ‬كان‭ ‬وطنه‭ ‬مثل‭ ‬كل‭ ‬أرجاء‭ ‬المنطقة‭ ‬المجاورة‭ ‬وبعيداً‭ ‬عنها‭ ‬كذلك‭ ‬يرسف‭ ‬في‭ ‬أغلال‭ ‬الاحتلال‭. ‬مواجهات‭ ‬ورفض‭ ‬وتمرد‭.‬

الدراسة‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬المعلمين‭ ‬العالية‭. ‬كانت‭ ‬عالية‭ ‬حقاً‭. ‬تضم‭ ‬أساتذة‭ ‬وطلاباً‭ ‬ظل‭ ‬لهم‭ ‬شأن‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬الفكري‭ ‬والثقافي‭. ‬التقى‭ ‬فيها‭ ‬عراقيين‭ ‬وعربا‭. ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬انعكست‭ ‬بتمامها‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭. ‬الصراعات‭ ‬والتقسيمات‭ ‬والتسويات‭ ‬وقضية‭ ‬فلسطين‭ ‬وآثار‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭. ‬ومعها‭ ‬وفدت‭ ‬تيارات‭ ‬وآفاق‭ ‬وثقافات‭ ‬جديدة‭ ‬تجتاحها‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬العراق‭ ‬الواسع‭ ‬الكبير‭ ‬استثناء‭. ‬كان‭ ‬يلاصق‭ ‬حواف‭ ‬تركيا‭ ‬وإيران‭ ‬ومن‭ ‬بعيد‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭. ‬وقريباً‭ ‬بادية‭ ‬الشام‭. ‬والسماوه‭. ‬والأردن‭ ‬والكويت‭ ‬وغيرها‭. ‬حضارة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬النهرين‭ ‬القديمة‭. ‬الأساطير‭ ‬الناهضة‭ ‬في‭ ‬العشيات‭ ‬وألف‭ ‬ليلة‭ ‬وهدير‭ ‬دجلة‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬السكون‭ ‬والثبات‭. ‬الصحاب‭ ‬في‭ ‬الدار‭. ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬سيلمعون‭ ‬مثله‭ ‬لاحقاً‭.‬‭ ‬والحركات‭ ‬السياسية‭ ‬تضطرم‭ ‬نارها‭. ‬البعث‭ ‬والماركسية‭ ‬والقومية‭. ‬تتشكل‭ ‬الخلايا‭ ‬والجماعات‭. ‬شكله‭ ‬الدميم‭ ‬وبنيته‭ ‬النحيفة‭ ‬لم‭ ‬تؤهله‭ ‬مطلقاً‭ ‬للصاحبات‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬محاولاته‭ ‬وأشعاره‭. ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬صدود‭ ‬على‭ ‬الدوام‭. ‬ظل‭ ‬يتخيل‭ ‬أنه‭ ‬مصدر‭ ‬إلهامهن‭ ‬أو‭ ‬إعجابهن‭. ‬شباك‭ ‬وفيقة‭ ‬في‭ ‬القرية‭ ‬امتد‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬لميعة‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬المعلمين‭. ‬ولكن‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭. ‬الشعر‭ ‬تيبس‭ ‬مثل‭ ‬قشور‭ ‬السمك‭ ‬على‭ ‬الشفاه‭.‬

بدر‭ ‬شاكر‭ ‬السياب‭ ‬ابن‭ ‬زارع‭ ‬النخيل‭ ‬وبائع‭ ‬التمر‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬ما‭ ‬يعوض‭ ‬مأساته‭ ‬وأحزانه‭ ‬منذ‭ ‬فقده‭ ‬لوالدته‭ ‬العام‭ ‬1930‭. ‬كان‭ ‬بلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬العام‭ ‬السادس‭. ‬السياب‭ ‬أيضاً‭ ‬مأساة‭ ‬جيل‭ ‬يمتلئ‭ ‬حنيناً‭ ‬وجذوة‭ ‬من‭ ‬اللهيب‭. ‬شيء‭ ‬مكتوم‭ ‬في‭ ‬الأعماق‭. ‬جيل‭ ‬يحلم‭ ‬ويصطدم‭ ‬بالجدران‭. ‬الحرمان‭ ‬لاحقه‭ ‬عندما‭ ‬افتقد‭ ‬إلى‭ ‬عطف‭ ‬الأم‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬الأب‭. ‬تزوج‭ ‬بأخرى‭ ‬ورحل‭ ‬عن‭ ‬القرية‭ ‬مثلما‭ ‬رحل‭ ‬النهار‭ ‬عن‭ ‬بدر‭ ‬في‭ ‬عز‭ ‬مرضه‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬وفي‭ ‬لندن‭ ‬وفي‭ ‬الكويت‭.. ‬محطته‭ ‬الأخيرة‭.‬

في‭ ‬مرحلة‭ ‬التكوين‭ ‬احتواه‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬ظل‭ ‬المانفيستو‭ ‬قصيدته‭ ‬الكبرى‭. ‬علاقات‭ ‬ربطته‭ ‬بحزب‭ ‬تودا‭ ‬المماثل‭ ‬في‭ ‬إيران‭. ‬مطاردات‭ ‬والمأساة‭ ‬تزداد‭. ‬يهرب‭ ‬إلى‭ ‬هناك‭ ‬ومنها‭ ‬إلى‭ ‬الخليج‭. ‬ظل‭ ‬غريباً‭ ‬في‭ ‬هجائر‭ ‬الأيام‭ ‬يشكو‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬اللوعة‭ ‬على‭ ‬ضفاف‭ ‬الخليج‭ ‬القريب‭. ‬ارتدى‭ ‬الدشداشة‭ ‬والعقال‭. ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الخليج‭ ‬كادت‭ ‬المركب‭ ‬العائدة‭ ‬تغرق‭.‬عاصفة‭ ‬شديدة‭ ‬يواجهها‭ ‬الغواصون‭ ‬وأرباب‭ ‬التجارة‭ ‬والعبيد‭ ‬العاملون‭. ‬كانوا‭ ‬يقرعون‭ ‬الطبول‭ ‬وسط‭ ‬الخليج‭ ‬ويغنون‭ ‬أغاني‭ ‬الحزن‭ ‬والبكاء‭. ‬نشيج‭ ‬على‭ ‬الخليج‭. ‬وعندما‭ ‬شارفت‭ ‬على‭ ‬الغرق‭ ‬أو‭ ‬كادت‭ ‬صاح‭ ‬النحيل‭ ‬الدميم‭.. ‬يا‭ ‬منجي‭ ‬فرعون‭ ‬ومغرق‭ ‬موسى‭. ‬مفارقة‭ ‬ولبس‭. ‬ثم‭ ‬رست‭ ‬على‭ ‬جودي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭.‬

كانت‭ ‬الشيوعية‭ ‬تسري‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الديار‭. ‬أضحت‭ ‬مثالاً‭ ‬والتزاماً‭ ‬لعديد‭ ‬المثقفين‭. ‬وصار‭ ‬الالتزام‭ ‬ضرورة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬أو‭ ‬جلها‭. ‬الفنان‭ ‬أيامها‭ ‬تأسره‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬وتقضي‭ ‬عليه‭. ‬السياسة‭ ‬ودروبها‭ ‬المعوجة‭ ‬تقتل‭ ‬روح‭ ‬الفنان‭ ‬وإبداعه‭. ‬يخضع‭ ‬لمقصلة‭ ‬الحزب‭. ‬يجري‭ ‬تشريحه‭ ‬ويقتلونه‭ ‬في‭ ‬الحياة‭. ‬ذلك‭ ‬حدث‭ ‬للفتى‭ ‬النحيل‭ ‬الدميم‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬خرائب‭ ‬منزل‭ ‬الأقنان‭. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬للتمر‭ ‬مذاق‭ ‬في‭ ‬فمه‭. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬للحب‭ ‬المفقود‭ ‬معنى‭ ‬في‭ ‬ظلال‭ ‬التجربة‭ ‬السياسية‭ ‬الحادة‭. ‬انسل‭ ‬وخرج‭. ‬وبدأ‭ ‬الصدام‭ ‬بين‭ ‬الشاعر‭ ‬والحزب‭ ‬وغدا‭ ‬الأمر‭ ‬مفزعاً‭ ‬ومحزناً‭ ‬وقاتلاً‭. ‬شقيقه‭ ‬مصطفى‭ ‬اصطف‭ ‬في‭ ‬طابور‭ ‬الحزب‭. ‬كتب‭ ‬التقارير‭ ‬في‭ ‬حقه‭. ‬الحزب‭ ‬شق‭ ‬عصى‭ ‬الطاعة‭ ‬بين‭ ‬الاثنين‭ ‬وضيع‭ ‬روابط‭ ‬الرحم‭ ‬والحنان‭. ‬هموم‭ ‬تضافرت‭ ‬على‭ ‬الشاعر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬رواد‭ ‬تجديد‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭ ‬مع‭ ‬نازك‭ ‬الملائكة‭ ‬وكاظم‭ ‬جواد‭ ‬وعبد‭ ‬الوهاب‭ ‬البياتي‭ ‬ونزار‭ ‬قباني‭ ‬وبلند‭ ‬الحيدري‭ ‬وحسين‭ ‬مردان‭.. ‬وغيرهم‭. ‬وكان‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬رواد‭ ‬آخرون‭ ‬في‭ ‬مناحي‭ ‬الفن‭ ‬والنقد‭.. ‬جبرا‭ ‬إبراهيم‭ ‬جبرا‭ ‬وجواد‭ ‬سليم‭ ‬وناظم‭ ‬الغزالي‭ ‬وسليمة‭ ‬مراد‭. ‬تطوف‭ ‬القصائد‭. ‬يكبر‭ ‬السياب‭ ‬بالشعر‭ ‬ولا‭ ‬ينهض‭ ‬بالحزب‭. ‬اختفت‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭. ‬وجاءت‭ ‬بديلاً‭ ‬عنها‭ ‬أنشودة‭ ‬المطر‭ ‬والأسلحة‭ ‬والأطفال‭ ‬والمعبد‭ ‬الغريق‭ ‬ومنزل‭ ‬الأقنان‭ ‬وشناشيل‭ ‬بنت‭ ‬الجلبي‭. ‬إيقاعاته‭ ‬لامست‭ ‬كل‭ ‬الجدران‭ ‬وقرعت‭ ‬الأبواب‭ ‬ونهضت‭ ‬بالقضية‭ ‬دون‭ ‬حزب‭ ‬أو‭ ‬التزام‭ ‬يقهر‭ ‬الفنان‭ ‬ويلوي‭ ‬رقبته‭ ‬في‭ ‬مقصلة‭ ‬الحزب‭ ‬المقيتة‭.‬

الشاعر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الحزب‭ ‬ومن‭ ‬تنظيراته‭ ‬الجوفاء‭. ‬قد‭ ‬تفيده‭ ‬التجربة‭ ‬ولكنها‭ ‬تعوقه‭ ‬في‭ ‬الخاتمة‭ ‬وتحد‭ ‬من‭ ‬انطلاقه‭ ‬وتحليقه‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬بكل‭ ‬حرية‭. ‬الالتزام‭ ‬بغير‭ ‬قضايا‭ ‬الإنسانية‭ ‬وروح‭ ‬الإنسان‭ ‬والتعاطف‭ ‬مع‭ ‬عذابات‭ ‬الآخرين‭ ‬والتصدي‭ ‬للقهر‭ ‬والعسف‭ ‬وأكل‭ ‬قوت‭ ‬الفقراء‭ ‬هو‭ ‬الرسالة‭ ‬الحقيقية‭.‬‭ ‬وحين‭ ‬تعاون‭ ‬مع‭ ‬مجلة‭ ‬حوار‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬نهشت‭ ‬جسده‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬السهام‭. ‬صار‭ ‬في‭ ‬نظرها‭ ‬عميلاً‭ ‬للإمبريالية‭. ‬قاسى‭ ‬الشاعر‭ ‬بصوته‭ ‬الواهن‭ ‬المزيد‭. ‬المضايقات‭ ‬في‭ ‬عمله‭. ‬زواجه‭ ‬كان‭ ‬تقليدياً‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬قريبته‭ ‬السيدة‭ ‬إقبال‭ ‬طه‭ ‬عبد‭ ‬الجليل‭. ‬لم‭ ‬تفلح‭ ‬دواوينه‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬مشاعره‭ ‬والتنقل‭ ‬بين‭ ‬وسائد‭ ‬الحبيبات‭ ‬المتخيلات‭. ‬أم‭ ‬غيلان‭ ‬وبقية‭ ‬الأولاد‭. ‬أخفق‭ ‬في‭ ‬الحب‭ ‬الكامن‭ ‬في‭ ‬صدره‭ ‬وأحس‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬مؤلم‭ ‬شقه‭ ‬إلى‭ ‬نصفين‭ ‬وظل‭ ‬يحصره‭ ‬في‭ ‬قبح‭ ‬صورته‭ ‬وتهدل‭ ‬أذنيه‭. ‬لكنه‭ ‬ظل‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬بارزة‭ ‬وكبيرة‭ ‬ومهمة‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭ ‬ووصف‭ ‬نفسه‭ ‬بأنه‭ ‬أول‭ ‬شاعر‭ ‬عربي‭ ‬بدأ‭ ‬باستخدام‭ ‬الأساطير‭ ‬متخذاً‭ ‬منها‭ ‬رموزاً‭ ‬عديدة‭ ‬متأثراً‭ ‬بأليوت‭ ‬وغيره‭. ‬من‭ ‬الأسطورة‭ ‬خلق‭ ‬السياب‭ ‬عالماً‭ ‬هرب‭ ‬إليه‭. ‬من‭ ‬عالم‭ ‬موحش‭ ‬دمر‭ ‬أعماقه‭.. ‬لكنه،‭ ‬كما‭ ‬مر،‭ ‬ظل‭ ‬علامة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬شعرنا‭ ‬المعاصر‭. ‬الحداثة‭ ‬والتجديد‭ ‬والصور‭ ‬والألوان‭. ‬والقضايا‭. ‬برع‭ ‬السياب‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬تجربته‭ ‬وتجسيدها‭ ‬والإشادة‭ ‬بها‭ ‬رغم‭ ‬مرارتها‭. ‬المرض‭ ‬أوصله‭ ‬إلى‭ ‬النهاية‭. ‬أوصى‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬بعلاجه‭ ‬وعندما‭ ‬سقط‭ ‬نظامه‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬1963‭ ‬كان‭ ‬السياب‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬هجاه‭. ‬السياسة‭ ‬تقتل‭ ‬الفنان‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭ ‬في‭ ‬حياته‭. ‬التقلبات‭ ‬تنفجر‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬حياته‭ ‬وتسبب‭ ‬له‭ ‬قلقاً‭ ‬وهموماً‭ ‬على‭ ‬هموم‭.‬

والسياب‭ ‬في‭ ‬الكويت‭ ‬منذ‭ ‬ستين‭ ‬عاماً‭ ‬في‭ ‬الرابع‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬ديسمبر‭ ‬1964‭ ‬يغادر‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬الأميري‭. ‬يشيع‭ ‬جسده‭ ‬الواهن‭ ‬نفر‭ ‬قليل‭. ‬المطر‭ ‬يودعه‭ ‬أثناء‭ ‬الرحيل‭ ‬والجنازة‭ ‬بأنشودة‭ ‬طويلة‭. ‬مأساة‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬لحظة‭ ‬الوداع‭. ‬سلطات‭ ‬إدارية‭ ‬تأتي‭ ‬إلى‭ ‬عائلته‭ ‬الصغيرة‭ ‬وتخرجها‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬الوحيد‭. ‬تطارده‭ ‬المأساة‭ ‬بعد‭ ‬رحيله‭.. ‬بعد‭ ‬رحيل‭ ‬النهار‭. ‬وبعد‭ ‬زمن‭ ‬يرتفع‭ ‬تمثاله‭ ‬عند‭ ‬شط‭ ‬العرب‭.. ‬بعد‭ ‬الزرع‭.. ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭. ‬مأساة‭ ‬الفنان‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬وجه‭ ‬من‭ ‬وجوه‭ ‬الظلام‭ ‬والحزن‭. ‬وقبل‭ ‬ذكراه‭ ‬الستين‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬مارس‭ ‬2024‭ ‬تغادر‭ ‬زوجته‭ ‬إقبال‭ ‬الحياة‭.. ‬وترحل‭ ‬كما‭ ‬يرحل‭ ‬النهار‭. ‬والمنطقة‭ ‬كلها‭ ‬ترسف‭ ‬في‭ ‬القهر‭ ‬والموت‭ ‬كما‭ ‬قرن‭ ‬مضى‭. ‬كما‭ ‬ستون‭ ‬مضت‭. ‬كما‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يحز‭ ‬نياط‭ ‬القلوب‭..‬

‭»‬هو‭ ‬لن‭ ‬يعود

رحل‭ ‬النهار

فلترحلي‭.‬

هو‭ ‬لن‭ ‬يعود»

الشعراء‭ ‬العظام‭ ‬لا‭ ‬يعودون‭!!‬



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»