»رحل النهار
هو لن يعود»
لم يكن فيلسوفاً. لم يكن منظِّراً. كان شاعراً كبيراً. أكبر من الفلسفة. أكبر من التنظير. قدم من بغداد إلى البصرة في الجنوب. ولد بها العام 1926. خرائب القرية. جيكور المتهدمة. منزل الأقنان. دار جده وصياح البط البري عبرها. ونهر بويب. والشط والنخيل. عراجين النخل والمواويل وأناشيد الحزن. كان وطنه مثل كل أرجاء المنطقة المجاورة وبعيداً عنها كذلك يرسف في أغلال الاحتلال. مواجهات ورفض وتمرد.
الدراسة في دار المعلمين العالية. كانت عالية حقاً. تضم أساتذة وطلاباً ظل لهم شأن في المستوى الفكري والثقافي. التقى فيها عراقيين وعربا. كان هناك المزيد من التحولات التي انعكست بتمامها على تلك المنطقة. الصراعات والتقسيمات والتسويات وقضية فلسطين وآثار ما بعد الحرب العالمية الثانية. ومعها وفدت تيارات وآفاق وثقافات جديدة تجتاحها. لم يكن العراق الواسع الكبير استثناء. كان يلاصق حواف تركيا وإيران ومن بعيد الاتحاد السوفيتي. وقريباً بادية الشام. والسماوه. والأردن والكويت وغيرها. حضارة ما بين النهرين القديمة. الأساطير الناهضة في العشيات وألف ليلة وهدير دجلة الذي لا يعرف السكون والثبات. الصحاب في الدار. نخبة من الشعراء الذين سيلمعون مثله لاحقاً. والحركات السياسية تضطرم نارها. البعث والماركسية والقومية. تتشكل الخلايا والجماعات. شكله الدميم وبنيته النحيفة لم تؤهله مطلقاً للصاحبات رغم كل محاولاته وأشعاره. كان ثمة صدود على الدوام. ظل يتخيل أنه مصدر إلهامهن أو إعجابهن. شباك وفيقة في القرية امتد معه إلى لميعة في دار المعلمين. ولكن دون جدوى. الشعر تيبس مثل قشور السمك على الشفاه.
بدر شاكر السياب ابن زارع النخيل وبائع التمر لم يجد ما يعوض مأساته وأحزانه منذ فقده لوالدته العام 1930. كان بلغ من العمر العام السادس. السياب أيضاً مأساة جيل يمتلئ حنيناً وجذوة من اللهيب. شيء مكتوم في الأعماق. جيل يحلم ويصطدم بالجدران. الحرمان لاحقه عندما افتقد إلى عطف الأم بعد وفاة الأب. تزوج بأخرى ورحل عن القرية مثلما رحل النهار عن بدر في عز مرضه في بيروت وفي لندن وفي الكويت.. محطته الأخيرة.
في مرحلة التكوين احتواه الحزب الشيوعي في العراق. ظل المانفيستو قصيدته الكبرى. علاقات ربطته بحزب تودا المماثل في إيران. مطاردات والمأساة تزداد. يهرب إلى هناك ومنها إلى الخليج. ظل غريباً في هجائر الأيام يشكو المزيد من اللوعة على ضفاف الخليج القريب. ارتدى الدشداشة والعقال. في وسط الخليج كادت المركب العائدة تغرق.عاصفة شديدة يواجهها الغواصون وأرباب التجارة والعبيد العاملون. كانوا يقرعون الطبول وسط الخليج ويغنون أغاني الحزن والبكاء. نشيج على الخليج. وعندما شارفت على الغرق أو كادت صاح النحيل الدميم.. يا منجي فرعون ومغرق موسى. مفارقة ولبس. ثم رست على جودي في نهاية المطاف.
كانت الشيوعية تسري في المنطقة خاصة في تلك الديار. أضحت مثالاً والتزاماً لعديد المثقفين. وصار الالتزام ضرورة في بعض الأحيان أو جلها. الفنان أيامها تأسره الأيديولوجيا وتقضي عليه. السياسة ودروبها المعوجة تقتل روح الفنان وإبداعه. يخضع لمقصلة الحزب. يجري تشريحه ويقتلونه في الحياة. ذلك حدث للفتى النحيل الدميم القادم من خرائب منزل الأقنان. لم يعد للتمر مذاق في فمه. لم يعد للحب المفقود معنى في ظلال التجربة السياسية الحادة. انسل وخرج. وبدأ الصدام بين الشاعر والحزب وغدا الأمر مفزعاً ومحزناً وقاتلاً. شقيقه مصطفى اصطف في طابور الحزب. كتب التقارير في حقه. الحزب شق عصى الطاعة بين الاثنين وضيع روابط الرحم والحنان. هموم تضافرت على الشاعر الذي كان في مقدمة رواد تجديد الشعر العربي المعاصر مع نازك الملائكة وكاظم جواد وعبد الوهاب البياتي ونزار قباني وبلند الحيدري وحسين مردان.. وغيرهم. وكان في بغداد رواد آخرون في مناحي الفن والنقد.. جبرا إبراهيم جبرا وجواد سليم وناظم الغزالي وسليمة مراد. تطوف القصائد. يكبر السياب بالشعر ولا ينهض بالحزب. اختفت من حياته تلك المرحلة. وجاءت بديلاً عنها أنشودة المطر والأسلحة والأطفال والمعبد الغريق ومنزل الأقنان وشناشيل بنت الجلبي. إيقاعاته لامست كل الجدران وقرعت الأبواب ونهضت بالقضية دون حزب أو التزام يقهر الفنان ويلوي رقبته في مقصلة الحزب المقيتة.
الشاعر أكبر من الحزب ومن تنظيراته الجوفاء. قد تفيده التجربة ولكنها تعوقه في الخاتمة وتحد من انطلاقه وتحليقه في الفضاء بكل حرية. الالتزام بغير قضايا الإنسانية وروح الإنسان والتعاطف مع عذابات الآخرين والتصدي للقهر والعسف وأكل قوت الفقراء هو الرسالة الحقيقية. وحين تعاون مع مجلة حوار في بيروت نهشت جسده المزيد من السهام. صار في نظرها عميلاً للإمبريالية. قاسى الشاعر بصوته الواهن المزيد. المضايقات في عمله. زواجه كان تقليدياً جداً من قريبته السيدة إقبال طه عبد الجليل. لم تفلح دواوينه في نقل مشاعره والتنقل بين وسائد الحبيبات المتخيلات. أم غيلان وبقية الأولاد. أخفق في الحب الكامن في صدره وأحس أن ذلك مؤلم شقه إلى نصفين وظل يحصره في قبح صورته وتهدل أذنيه. لكنه ظل نقطة تحول بارزة وكبيرة ومهمة في الشعر العربي المعاصر ووصف نفسه بأنه أول شاعر عربي بدأ باستخدام الأساطير متخذاً منها رموزاً عديدة متأثراً بأليوت وغيره. من الأسطورة خلق السياب عالماً هرب إليه. من عالم موحش دمر أعماقه.. لكنه، كما مر، ظل علامة كبيرة في شعرنا المعاصر. الحداثة والتجديد والصور والألوان. والقضايا. برع السياب في نقل تجربته وتجسيدها والإشادة بها رغم مرارتها. المرض أوصله إلى النهاية. أوصى عبد الكريم قاسم بعلاجه وعندما سقط نظامه في فبراير 1963 كان السياب أول من هجاه. السياسة تقتل الفنان عدة مرات في حياته. التقلبات تنفجر في مسيرة حياته وتسبب له قلقاً وهموماً على هموم.
والسياب في الكويت منذ ستين عاماً في الرابع والعشرين من ديسمبر 1964 يغادر في المستشفى الأميري. يشيع جسده الواهن نفر قليل. المطر يودعه أثناء الرحيل والجنازة بأنشودة طويلة. مأساة تتكرر في نفس لحظة الوداع. سلطات إدارية تأتي إلى عائلته الصغيرة وتخرجها من البيت الوحيد. تطارده المأساة بعد رحيله.. بعد رحيل النهار. وبعد زمن يرتفع تمثاله عند شط العرب.. بعد الزرع.. بعد فوات الأوان. مأساة الفنان العربي في المنطقة العربية وجه من وجوه الظلام والحزن. وقبل ذكراه الستين في مطلع مارس 2024 تغادر زوجته إقبال الحياة.. وترحل كما يرحل النهار. والمنطقة كلها ترسف في القهر والموت كما قرن مضى. كما ستون مضت. كما كل شيء يحز نياط القلوب..
»هو لن يعود
رحل النهار
فلترحلي.
هو لن يعود»
الشعراء العظام لا يعودون!!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات