Atwasat

قتلة حمامة نوح

أحمد الفيتوري الثلاثاء 17 ديسمبر 2024, 11:16 صباحا
أحمد الفيتوري

مسقط الرأس
مسقط الرأس في إقليم حرب، إقليم قلب العالم، بدء التاريخ، أول من كتب، قرأ، وضع أبجد هوز، إقليم قبل الفلسفة، إقليم الفلسفة، مهبط الأديان التوحيدية والبحر المتوسط، توسط كل شيء، التين والزيتون، حمامة نوح حاملة غصن الزيتون، ما جعلها بيكاسو شعار الأمم المتحدة، أيقونة السلام. المقاربة المفارقة التي استعيرت من إقليم حرب، إقليم الأساطير منذ جلجامش حتى فلسطين الساعة، التي عاصمتها القدس تدعى مدينة السلام. مقاربة مفارقة أخرى، فأي مسقط رأس هذا الذي حول لكبش فداء لسلام الآخرين، ما بعد حربيهم الكبريين؟

مسقط رأسي حتم أن العمر منذ النفس الأولى، حتى النفس الأخيرة: أستيقظ صبحًا على خبر عاجل، سقوط قتلى وجرحى. فالإقليم جعلوا منه أرض الإرهاب، الشرق الأوسط، أرض التطرف، مزرعة العنف، مخصب الموت، ثم أنام في مسغبة، كوابيس ما يحدث كل ليلة وألف، غطاؤه دوي المدافع وعصف الصواريخ، لأجل دحر الإرهابيين نحن، كما مطاردة الأفريقي منا كمهاجر. هكذا ولدت في إقليم، حرب ضروس كينونته، صيروه قاعدة حربية وميناء لأساطيلهم، للذود عن السلم العالمي في الأرض، الكرة التي صيروها أرض اليباب وسماؤها ثقب أوزون.

ولدت على المتوسط، عند الصحارى الكبرى، منبع زيت قنديل حضارة الغرب ومن شابههم، منبع الزيت الذي بات قطرانًا يسفه أهله، من يدكهم الشبح/ الفانتوم: اقتلوهم أينما ثقفتموهم، فهم شذاذ الأرض المغضوب عليهم، أليسوا ألف داعش وليالي غبراء؟... تبًا لهكذا مخلوق أكل ناقة الله وسقياها، الاتكالي ماص دم البشرية، من حول جنوب المتوسط لمرتع للموت ومجونه.

مسقط الرأس إقليم مستعمرة، مستعمرة دول الحضارة الديمقراطية! لقرن ونصف مضت، أما بعد فمستعمرة للصهاينة منهم، حاملات الطائرات، الشركات والساسة والصواريخ العابرة للقارات. حضارة مولدها حروب صليبية، جعلت شعوبها شعوب حرب، كبرى في موطنها، صغرى في أصقاع الأرض حتى القطبين. حين كانت الحرب كبرى لمرتين، طالت مسقط رأسي، بلدي من الصغرى جذوته حتى المستقبل، ومحيطه نار موقدة مستحقة لأنه يأكل بعضه، أين إقليم الحرب؟

إقليم الحرب، لم يغادره مستعمروه يومًا، كأفريقيا قارة الذرة والمهجرين غير الشرعيين! أما لِمَ؟ فلأنهم متخلفون، لم يتمكن المستعمر من تعمير الإقليم لقرن ونصف، فكيف يتمكن المتخلفون؟ التخلف ومعتقداتهم المتخلفة جعلت إقليمهم بر الحرب، جعلتهم كالحمار يحمل أسفاره المعادية للسامية، للحرية والمساواة والإخاء.

• قارتي أفريقيا
يبدو أن المستعمرات السابقة حقل تجارب، في العصر السيبراني، بالإضافة إلى المهام السابقة، منذ الحرب الكورية، حتى حرب الشرق الأوسط التي لا تنتهي، ويبدو أن مهمة أفريقيا، أن تكون أيضًا حقلًا، حتى لتجارب القوى الناهضة كالصين، وبذا فهي ساحة المعركة، حيث تجرب كل أنواع الأسلحة، الاقتصادية والصحية والعلمية والعسكرية... إلخ، التجارب هذه ما طبعها «قذر» بالضرورة.

إن الحقيقة المرّة، رغم كل التخرصات، أن أفريقيا كما كانت أرض العبيد، لعصر النهضة الأوروأميركية، باتت أرض الخامات للعصر الصناعي، وحاليًا نشاهد عودة في العصر السيبراني، لتجارة العبيد، تحت صيغة «الهجرة غير الشرعية».

هذا في الوقت الذي جرى فيه، استنزاف باطن أرض أفريقيا، ثم جاءت ضربة الجفاف القاصمة، من آثار ثقب الأوزون. وهكذا معاناة قارة أفريقيا فيما بعد الاستعمار، أشد من مرحلة الاستعمار نفسها، الذي حسب قولة الستينيات التهكمية: خرج من الباب لِيعود من النافذة. ومن ذا «الهجرة غير الشرعية»، مؤشر على الحال الأفريقي، الذي يشبه حال الشرق الأوسط، ما هو حال حرب أكثر منه حال سلام، منذ نهاية الحرب الكبرى الثانية وحتى أفق آخر.

طبعًا يؤكد الكثيرون، على مسؤولية الأفارقة عن حال قارتهم، وهو كذلك، حيث العبد كان دائمًا، في رأي مفكرين كثر في الغرب، مصابًا بإرادة العبودية! ومليء كتاب «الاستشراق» وكذا «الثقافة والإمبريالية» لإدوارد سعيد، بالاستدلالات من هذه الأطروحات الفكرية الغربية، منذ مونتسيكو حتى ماركس وغيرهما كثر، وهذا أعاد الكثير من تلاميذهم في أفريقيا وغيرها إنتاجه.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فقد تذكرت حرب التلاسن بين فرنسا ومستعمرتها السابقة الجزائر، الدولة العربية التي نشر فيها المستعمر الفرنسي الأمية، منذ احتلالها 1830م إلى الاستقلال 1962م. والاتهام بـ«نشر الأمية» هذا جاء على لسان مسؤول جزائري، الغريب أن ما عناه ذاك المسؤول، أن الأمية عمت البلاد، حتى في لغة المستعمر، وليس في العربية لغة البلاد فحسب.

وبالتالي فإن فرنسا، لم تقم بمحو الماضي، ولكن هيمنت على المستقبل أيضًا، المستقبل الأمي الذي أوكل المستعمر به رجاله في البلاد، العسكر الذين يخوضون حربًا أهلية، للسيطرة على البلاد، منذ الاستقلال 1962م، وحتى يومنا هذا.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»