Atwasat

الحب المزمن

محمد عقيلة العمامي الإثنين 16 ديسمبر 2024, 05:25 مساء
محمد عقيلة العمامي

الإحساس بالتعب هو رد فعل يقينا من الإجهاد، فهو منبه للمرء بأن جسده، وعقله وأيضا عاطفته مجهدة وقريبه من مرحلة الخطر! خيبة أمل عاطفية على سبيل المثال تثير رد فعل جسماني، كالتعرق وخفقان القلب، وضيق التنفس، إن هذه الخيبة تستوي حدتها وأعرضها مع مجهود عضلي يحس المرء به، بشكل ما! ولكن مهما تستخدم لها من عقاقير، قد تؤجل الإحساس بالتعب، لكن لا يمكن أن تتخلص منه إلا بالراحة والنوم فهما فقط بلسم لهذا التعب.

وتجدر الإشارة إلى أن خطورة الإرهاق العاطفي، وعدم القدرة على التخلص منها هي أخطر أنوع التعب! التي لا يقضي النوم عليها، إلاّ إذا اتجه إلى ما يخدره! وهذا الطريق القادر على إنهاء المرء مهما كانت قوته وجبروته.

مغبة خيبة الجهد العاطفي، تفوق ما قد تبذله عضلات المرء في هدم، وتكسير خرسانة حائط بحجم الهرم الأكبر! يعني متصلة طوال حياته! وتؤكد الأبحاث أن خيبات الأنثى العاطفية كثيرة، ومستمرة بمجرد أن تصل مرحلة البلوغ، لا العمل المنزلي سببها ولا عملها المدني، كمدرسة أو مهندسة، أو حتى طبيبة نفسية، لا يهدها أكثر من الخيبات العاطفية، ولذلك هن كثيرات النوم والانزواء في غرفهن! في حين أن خيبات الذكر تكون أكثر إيذاء له، فهو لا ينزوي في غرفته، ولكنه يخرج بخيباته إلى الشارع، إلى عمله أو رفاقه في المقهى أو النادي أو حتى في الشارع، وبالتأكيد في الحانات وبؤر المخدرات. خلال حياتي، التي لا أريد أبدا القول «أنني سئمت تكاليفها!» استعدت ذكريات رفاق أنهتهم، تماما، مغبات خيبات عاطفية صادقة، وظللت أتعجب مما حدث لهم، ولكن ما أنا بصدد توضيحه هو أنني عرفت، إلى حد ما، مسببات هذه الخيبات.

منذ أيام وقع في يدي موضوع علمي مسهب عنوانه: «لماذا نتعب؟» فقرأته أكثر من مرة، وتداعت أمامي خيالات أصدقاء، و معارف، أعرف أنهم جنحوا نحو الهلاك بسبب «خيبة عاطفية» منهم من رحل عنا، ومنهم من ما زال مستمرا في ضياعه، ولأنه موضوع شائق ومهم، رأيت تلخيصه هنا، لأنه من الأمور الحياتية التي نعرفها، ولكننا لا نعرف مغبتها.

الخيبة قد تكون سببا أكيدا لضياع المرء، فضيق الخلق، أو الغضب والحنق، أو الإحساس بالخيبة والهزيمة قد يقوده إلى الخمر والهروب بنشوته من خيبته، أما نفق المخدرات فهو مصيبة قد لا يخرج منها - الضعيف – سالما.

الخيبة العاطفية مصيبة حقيقية، ولكن، وهي ما فندت اعتقادا كان سائدا، يقول إن عضلات المرء من بعد أن تُجهد تفرز ما أسموه (سم التعب)، ولكن الاكتشافات العلمية أثبتت أن الجسد يمون بوقود، وسريعا ما عرفوا أنه كميات احتياطية من الأكسجين والسكر الموجود في الدم، تلتجئ إليه العضلات بسبب جهدها المتزايد، غير المعتاد، وما تنفد حتى تجوع العضلات، فتتوقف، ويتوقف، أيضا، التفكير معها. تماما مثل السيارة التي ينفد وقودها! ولكن (الخيبة) العاطفية لا علاقة لها بتعب المجهود العضلي، وإنما سبب نفسي تماما.

صحيح أن المخ والأعصاب حساسان بالنسبة لنقص السكر والأكسجين، ويحتفظان به في الأحوال العادية، ثم يطلبانه عندما يتضاعف الجهد بسبب الجري مثلا أو الصراع، فيقومان بصرفه إلى أن ينفدا فيتوقف المرء المجهد؛ فالتعب، إذن، نتيجة الإجهاد، وهو المنقذ من الموت. ويطرح سؤال نفسه لماذا يعمل العقل على إحساسنا بالإجهاد؟ الإجابة لأنه لا يريدنا أن ندمر أنفسنا!

العجيب، مثلما يقول البحث، إن العقل يحتوي على أكثر من 2% من مجموع وزن الإنسان! وعلى الرغم من أنه لا يؤدي أي عمل آلي فإنه يحتاج إلى 14% من الدم المتدفق في الأوردة كلها، ناهيك أنه يستهلك 23% من الأوكسجين! الذي نستشفه، فضلا عن استهلاكه الكبير للسكر! والعلماء يعرفون لماذا يحتاج المخ إلى كل هذا الوقود، ولكنهم يعرفون أن الجزء الذي يحول الطاقة الكيمائية للأكسجين والسكر إلى موجات مخية كهربائية ونبضات عصبية، ولكن ليس للمخ أي مخزون احتياطي من السكر والأكسجين، ولا بد له أن يحصل على مدد مستمر من الدم، الذي يدور في الجسد.

والضرورة أن نعرف كيف تؤثر الانفعالات على التعب؟ فالإنسان البدائي كان يعبئ قواه كلها لمجابهة جوعه، وكذلك قتال أعدائه، الغدد الأدرينالية توفر احتياطي الطاقة، لمجهوده للحصول على أكله، أو مجابهة أعدائه، والنظام الجسدي يوفر له ذلك عن طريق الدم، حتى يتوقف ضخ الأدرينالين، عندها يشعر بالتعب ثم الإرهاق! نحن ورثنا هذا النظام الواقي ويساعدنا على اجتياز الأزمات العابرة، ولكنه لا يستطيع الاستمرار في هذه المساعدة، وعاطفة الحب الحقيقي، بأنواعه المختلفة، ليست عابرة كمباغتة أسد لك في غرفة نومك، ولكنها عاطفة تعيش في المرء في صحوه ومنامه، فمن أين نجد لها أدرينالين في الصحو والمنام!؟



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»