.. والخطوات تمضي في الصيف. الشمس واللهيب في بنغازي. مضى موضوع شباب البعث نحو أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة. مر موضوع قضية تنظيم العلام. مضى موضوع كتاب ليبيا العربية في مفترق الطرق. مضى موضوع الانتخابات التكميلية في الصابري عند البحر. لا شيء جديد سوى ترقب لما هو جديد قد يطل. الحكايات في المقاهي أو في حجرات مصيف جليانة. كانت تلك الحجرات من أولها الى آخرها مثل برلمان. مثل منتدى. مثل حلقات نقاش تجمع الرواد. هناك يتنفس الجميع لدى أقدام الشاطئ وتغوص الحكايات والقصص في رماله. وحين يهبط الليل يبدو القمر في بعض الأحيان قريبا وتتعاظم المزيد من الحكايات والتحليلات لما حدث ودار. جليانة في الصيف تعمر ديارها بالأصدقاء وتصل الأخبار طازجة. يصل ما حدث في دوائر الحكومة أو المجالس النيابية وما قالته الصحف والإذاعات. جليانة في الصيف تحتوي آلاف الحكايا وتخفيها والجانب الأكبر يتصل دائما بملاعب الكرة واللاعبين والبطولات. رياضة وسياسة وبحر عميق.. عميق من الأسرار.
ثم يحل أغسطس. يغطي بنغازي وما حولها. الشهر الثامن بعد الشهر السابع. عز الصيف. عنب الزويتينة يغمر المدينة. مشروبات شويرب في حاناتها. ذلك الشارع المعروف قرب هايتي يعج بالباحثين عن شيء ما.. عن فراغ عاطفي يسد. النفوس ظمأى. ودور السينما والأسواق تزدحم بالعابرين. أقمشة جديدة يعلن عنها.. ماركات ذلك الصيف باسم.. القمر الصناعي وطريق بن بلة وساعة خديجة الجهمي وطريق السنكي. حياة وحركة ذلك الصيف ورائحة البحر تقدم قوية من الشابي. كانوا يقولون بأن البحر (تقرع) أو(ضرط) ومعمل شفيق للأردية يجهز نتاجا متعددا لمناسبة قادمة بطلب خاص من الحكومة. العيد العاشر للاستقلال يقترب ويدنو. البلد الفقير وسباخ الملح والفراغ الذي تملؤه الشعارات البعيدة سيغدو مع رائحة البترول سوقا تنفتح له الموانئ البعيدة خلف البحار.
محمد صدقي الفنان الذي يطرب الأسماع في بنغازي عبر الإذاعة يقضي أياما في السجن. يخرج. رجب البكوش ينظم له أغنية تشيع تلك الساعات.. ظلمتوني وأنا مظلوم. ثم يتبعها برائعة فنية تبقى في النفوس كثيرا على امتداد بنغازي وضواحيها وأطراف السباخ وأبعاد الوطن كله.. ماضي زال.. ينظمها السيد بومدين أو شادي الجبل كما أشتهر. تردد بأن الملك طرب لها كثيرا حين سمعها. ورجل الدين المتنور والعالم الشيخ الصفراني أهتز كيانه لها. طرق باب شادي الجبل في البركة. عانقه وهنأه وأشار له بأنها هبة من السماء. فيها تجل وتصوف وركون إلى الله رغم تفاصيلها العاطفية الذاتية. الفن يطرق الأسماع والأبواب ويلامس الشغاف في كل فصول السنة. وقبل هاتين الأغنيتين ذلك الموسم كان ثمة تجديد وتطور يعتري الأغنية الليبية. يلونها بزخارف حديثة. عبد السلام قادربوه المعلم والشاعر ينظم طيرين في عش الوفاء. يلحنها يوسف العالم. يسجلها في استوديوهات طرابلس محمد صدقي أيضا. ذلك العام طفق محمد صدقي فنانا ينطلق بقوة وبلا توقف.
وأغسطس يحل وفي التاسع منه تحل ذكرى عيد الجيش. مرت إحدى وعشرون سنة على تأسيسه بعيدا في المهجر.. في مصر. التقت عزوم أبناء الوطن مع الأمير وكونوا ذلك الجيش وعادوا من كل مكان بهم شوق وحنين للحرية.. لإنشاء وطن من بين حقول الرماد وثنايا الألغام وسخام الحرب السوداء.
في بنغازي كانت الاحتفالات الرسمية تتم في الغالب في شارع الاستقلال. عند الجامعة الليبية. في مواجهة الشرفة التي أعلن منها استقلال الوطن. الجموع تأتي وتبتهج. كانوا يقولون عن المناسبة (فيشطة). الكل يشارك. ويصل إلى الموقع. وربما آخرون ينأون ويبتعدون ويظل لهم رأيهم الخاص في كل الأحوال. تعطل الدوائر والمرافق. وتمر وحدات من الجيش والبوليس والكشافة وشباب الأندية. قوات بسيطة. الدولة لا تكابر بأسلحة كبيرة أو معقدة. نظامها يراعي حدوده ولا يتعداها. ليس هناك عداوات مع أحد أو أطماع هنا أو هناك. النظام يلتزم مبدأ العلاقات بالمثل والاحترام المتبادل ولا يدخل في تفاصيل بعيدة لا تخصه رغم المحاولات العديدة لجره واستفزازه في بعض الأحيان. النظام يعرف ما يدور ويلتزم الصمت ويضرب صفحا عما يحدث. أعدت منصة الاحتفال في مواجهة الشرفة. وسطها احتوى رئيس الحكومة محمد عثمان الصيد. عن يمينه الفريق محمود بوقويطين قائد قوة دفاع برقة. عن يساره اللواء السنوسي الاطيوش رئيس أركان الجيش. في الخلف رجال الحكومة والسفراء الأجانب والأشقاء والمدعوون والجموع من المواطنين الحاضرين. شمس وصيف ويشرع الرئيس في خطابه المعتاد بهذه المناسبة. كان الحفل منقولا على الهواء لتتابعه ليبيا كلها. والحدث كان في بنغازي. مذيع الحفل وناقله كبير المذيعين فرج الشريف. وحين بدأ الخطاب لم يصل صوت رئيس الحكومة عبر المكبرات ولم يسمعه الحاضرون ويبدو أن ثمة لعبة حدثت أو تمت دون علم المسؤولين. إرباك حصل. تحوطات أمنية مفاجئة. ترددت أقاويل قوية بأن المنصة كانت تحتها متفجرات. لا يصل الصوت. لا يصل الخطاب. صار الأمر يدعو إلى الحرج. التحقيقات تداعت وشملت فنيين من الإذاعة أبعدا على أثرها من الإذاعة. كانا يتوليان مسؤولية النقل الخارجي ويمثلان الهندسة الإذاعية. لم يعودا للإذاعة. نال التحقيق أيضا كبير المذيعين وخرج منه سالما. لم يكن لديه علم بالذي جرى وفوجئ به تماما. هل في ذلك الصيف من أيام أغسطس كان ثمة ما يدور في جوار المنصة أو تحتها أو بعيدا عنها. هل ثمة تداعيات أو خوازيق أخرى لموضوعات سبقت في الشهر الماضي وقبله. هل كان من يريد أن يثأر خلف الكواليس. كتمت بنغازي الأسرار. حادث المنصة في بنغازي مضى نحو المجهول. خطوط اقتربت من خطوط سابقة لكنها لامست الظل ولم تطلع تحت توهجات الضوء. أسباب لم تعرف لكن شمس وصهد الأيام يطوي الأحداث في بنغازي. أجواء لها حرارتها تتوارى وتظل غير منظورة في المشهد العام لكنها تنبئ عن علامات وعوامل بعيدة تتجمع وتتراكم وتظهر دفعة واحدة مع الأيام. غضت الدولة الطرف عن الموضوع وكأنه لم يقع ما يريب. ربما الأجهزة الأمنية تابعت ولاحقت ثم أغلقت ملفاتها في هذا الشأن.
الصيف يظل على الدوام عنوانا لوقائع كبيرة تتواصل تداعياتها وتتفق ولا تختلف في نهاية المطاف. الأيام تطوي الأيام. الموسم يتلو الموسم. وجليانة تمتلئ بالحكايا. ومقاهي الشابي كذلك. السجن عند البحر به المتهمون الذين نالتهم الأحكام السابقة. وخلف جدرانه العتيدة منذ أيام الطليان تخفي أيضا وراءها العديد من الأسرار. تحفظها خلف الأسوار عند التلة وقرب المنارة القديمة والجديدة. الأولى فرنسية والثانية إيطالية.. وهكذا في الليل تومض بوهن على الدوام ترشد السفن إلى المرسى لدخول البوغاز. والبحر يضرب صخور الشاطئ.
يقترب عيد الاستقلال. البلد عمرها عشرة أعوام. أيام بنغازي تتواصل لتبدأ حكايا وتفاصيل جديدة بعد أن ينهض نوامها من غفوتهم الطويلة. حركة تمرد في الجيش بعد حادث المنصة. إقالة رئيس الأركان الذي كان خلالها بجانب رئيس الحكومة وقائد البوليس. والخطاب الذي لم يصل وانقطعت خطوطه أمام شرفة الاستقلال.
الجيش كان هادئا وساكنا.. لكن القلق والتمرد وصل الى أعتابه حين علم بعض الضباط بإقالة رئيسهم. كانوا تحت المجهر والمراقبة. وبعد أيام سيحاكمون وينضمون إلى جدران السجن بين المنارتين في بنغازي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات