Atwasat

بنغازي والصيف (21)

سالم الكبتي الأربعاء 11 ديسمبر 2024, 11:23 صباحا
سالم الكبتي

‭.. ‬والخطوات‭ ‬تمضي‭ ‬في‭ ‬الصيف‭. ‬الشمس‭ ‬واللهيب‭ ‬في‭ ‬بنغازي‭. ‬مضى‭ ‬موضوع‭ ‬شباب‭ ‬البعث‭ ‬نحو‭ ‬أمة‭ ‬عربية‭ ‬واحدة‭ ‬ذات‭ ‬رسالة‭ ‬خالدة‭. ‬مر‭ ‬موضوع‭ ‬قضية‭ ‬تنظيم‭ ‬العلام‭. ‬مضى‭ ‬موضوع‭ ‬كتاب‭ ‬ليبيا‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬مفترق‭ ‬الطرق‭. ‬مضى‭ ‬موضوع‭ ‬الانتخابات‭ ‬التكميلية‭ ‬في‭ ‬الصابري‭ ‬عند‭ ‬البحر‭. ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬جديد‭ ‬سوى‭ ‬ترقب‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬جديد‭ ‬قد‭ ‬يطل‭. ‬الحكايات‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬حجرات‭ ‬مصيف‭ ‬جليانة‭. ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الحجرات‭ ‬من‭ ‬أولها‭ ‬الى‭ ‬آخرها‭ ‬مثل‭ ‬برلمان‭. ‬مثل‭ ‬منتدى‭. ‬مثل‭ ‬حلقات‭ ‬نقاش‭ ‬تجمع‭ ‬الرواد‭. ‬هناك‭ ‬يتنفس‭ ‬الجميع‭ ‬لدى‭ ‬أقدام‭ ‬الشاطئ‭ ‬وتغوص‭ ‬الحكايات‭ ‬والقصص‭ ‬في‭ ‬رماله‭. ‬وحين‭ ‬يهبط‭ ‬الليل‭ ‬يبدو‭ ‬القمر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬قريبا‭ ‬وتتعاظم‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬والتحليلات‭ ‬لما‭ ‬حدث‭ ‬ودار‭. ‬جليانة‭ ‬في‭ ‬الصيف‭ ‬تعمر‭ ‬ديارها‭ ‬بالأصدقاء‭ ‬وتصل‭ ‬الأخبار‭ ‬طازجة‭. ‬يصل‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬الحكومة‭ ‬أو‭ ‬المجالس‭ ‬النيابية‭ ‬وما‭ ‬قالته‭ ‬الصحف‭ ‬والإذاعات‭. ‬جليانة‭ ‬في‭ ‬الصيف‭ ‬تحتوي‭ ‬آلاف‭ ‬الحكايا‭ ‬وتخفيها‭ ‬والجانب‭ ‬الأكبر‭ ‬يتصل‭ ‬دائما‭ ‬بملاعب‭ ‬الكرة‭ ‬واللاعبين‭ ‬والبطولات‭. ‬رياضة‭ ‬وسياسة‭ ‬وبحر‭ ‬عميق‭.. ‬عميق‭ ‬من‭ ‬الأسرار‭.‬

ثم‭ ‬يحل‭ ‬أغسطس‭. ‬يغطي‭ ‬بنغازي‭ ‬وما‭ ‬حولها‭. ‬الشهر‭ ‬الثامن‭ ‬بعد‭ ‬الشهر‭ ‬السابع‭. ‬عز‭ ‬الصيف‭. ‬عنب‭ ‬الزويتينة‭ ‬يغمر‭ ‬المدينة‭. ‬مشروبات‭ ‬شويرب‭ ‬في‭ ‬حاناتها‭. ‬ذلك‭ ‬الشارع‭ ‬المعروف‭ ‬قرب‭ ‬هايتي‭ ‬يعج‭ ‬بالباحثين‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬ما‭.. ‬عن‭ ‬فراغ‭ ‬عاطفي‭ ‬يسد‭. ‬النفوس‭ ‬ظمأى‭. ‬ودور‭ ‬السينما‭ ‬والأسواق‭ ‬تزدحم‭ ‬بالعابرين‭. ‬أقمشة‭ ‬جديدة‭ ‬يعلن‭ ‬عنها‭.. ‬ماركات‭ ‬ذلك‭ ‬الصيف‭ ‬باسم‭.. ‬القمر‭ ‬الصناعي‭ ‬وطريق‭ ‬بن‭ ‬بلة‭ ‬وساعة‭ ‬خديجة‭ ‬الجهمي‭ ‬وطريق‭ ‬السنكي‭. ‬حياة‭ ‬وحركة‭ ‬ذلك‭ ‬الصيف‭ ‬ورائحة‭ ‬البحر‭ ‬تقدم‭ ‬قوية‭ ‬من‭ ‬الشابي‭. ‬كانوا‭ ‬يقولون‭ ‬بأن‭ ‬البحر‭ (‬تقرع‭) ‬أو‭(‬ضرط‭) ‬ومعمل‭ ‬شفيق‭ ‬للأردية‭ ‬يجهز‭ ‬نتاجا‭ ‬متعددا‭ ‬لمناسبة‭ ‬قادمة‭ ‬بطلب‭ ‬خاص‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭. ‬العيد‭ ‬العاشر‭ ‬للاستقلال‭ ‬يقترب‭ ‬ويدنو‭. ‬البلد‭ ‬الفقير‭ ‬وسباخ‭ ‬الملح‭ ‬والفراغ‭ ‬الذي‭ ‬تملؤه‭ ‬الشعارات‭ ‬البعيدة‭ ‬سيغدو‭ ‬مع‭ ‬رائحة‭ ‬البترول‭ ‬سوقا‭ ‬تنفتح‭ ‬له‭ ‬الموانئ‭ ‬البعيدة‭ ‬خلف‭ ‬البحار‭.‬

محمد‭ ‬صدقي‭ ‬الفنان‭ ‬الذي‭ ‬يطرب‭ ‬الأسماع‭ ‬في‭ ‬بنغازي‭ ‬عبر‭ ‬الإذاعة‭ ‬يقضي‭ ‬أياما‭ ‬في‭ ‬السجن‭. ‬يخرج‭. ‬رجب‭ ‬البكوش‭ ‬ينظم‭ ‬له‭ ‬أغنية‭ ‬تشيع‭ ‬تلك‭ ‬الساعات‭.. ‬ظلمتوني‭ ‬وأنا‭ ‬مظلوم‭. ‬ثم‭ ‬يتبعها‭ ‬برائعة‭ ‬فنية‭ ‬تبقى‭ ‬في‭ ‬النفوس‭ ‬كثيرا‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬بنغازي‭ ‬وضواحيها‭ ‬وأطراف‭ ‬السباخ‭ ‬وأبعاد‭ ‬الوطن‭ ‬كله‭.. ‬ماضي‭ ‬زال‭.. ‬ينظمها‭ ‬السيد‭ ‬بومدين‭ ‬أو‭ ‬شادي‭ ‬الجبل‭ ‬كما‭ ‬أشتهر‭. ‬تردد‭ ‬بأن‭ ‬الملك‭ ‬طرب‭ ‬لها‭ ‬كثيرا‭ ‬حين‭ ‬سمعها‭. ‬ورجل‭ ‬الدين‭ ‬المتنور‭ ‬والعالم‭ ‬الشيخ‭ ‬الصفراني‭ ‬أهتز‭ ‬كيانه‭ ‬لها‭. ‬طرق‭ ‬باب‭ ‬شادي‭ ‬الجبل‭ ‬في‭ ‬البركة‭. ‬عانقه‭ ‬وهنأه‭ ‬وأشار‭ ‬له‭ ‬بأنها‭ ‬هبة‭ ‬من‭ ‬السماء‭. ‬فيها‭ ‬تجل‭ ‬وتصوف‭ ‬وركون‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬رغم‭ ‬تفاصيلها‭ ‬العاطفية‭ ‬الذاتية‭. ‬الفن‭ ‬يطرق‭ ‬الأسماع‭ ‬والأبواب‭ ‬ويلامس‭ ‬الشغاف‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬فصول‭ ‬السنة‭. ‬وقبل‭ ‬هاتين‭ ‬الأغنيتين‭ ‬ذلك‭ ‬الموسم‭ ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬تجديد‭ ‬وتطور‭ ‬يعتري‭ ‬الأغنية‭ ‬الليبية‭. ‬يلونها‭ ‬بزخارف‭ ‬حديثة‭. ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬قادربوه‭ ‬المعلم‭ ‬والشاعر‭ ‬ينظم‭ ‬طيرين‭ ‬في‭ ‬عش‭ ‬الوفاء‭. ‬يلحنها‭ ‬يوسف‭ ‬العالم‭. ‬يسجلها‭ ‬في‭ ‬استوديوهات‭ ‬طرابلس‭ ‬محمد‭ ‬صدقي‭ ‬أيضا‭. ‬ذلك‭ ‬العام‭ ‬طفق‭ ‬محمد‭ ‬صدقي‭ ‬فنانا‭ ‬ينطلق‭ ‬بقوة‭ ‬وبلا‭ ‬توقف‭.‬

وأغسطس‭ ‬يحل‭ ‬وفي‭ ‬التاسع‭ ‬منه‭ ‬تحل‭ ‬ذكرى‭ ‬عيد‭ ‬الجيش‭. ‬مرت‭ ‬إحدى‭ ‬وعشرون‭ ‬سنة‭ ‬على‭ ‬تأسيسه‭ ‬بعيدا‭ ‬في‭ ‬المهجر‭.. ‬في‭ ‬مصر‭. ‬التقت‭ ‬عزوم‭ ‬أبناء‭ ‬الوطن‭ ‬مع‭ ‬الأمير‭ ‬وكونوا‭ ‬ذلك‭ ‬الجيش‭ ‬وعادوا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬بهم‭ ‬شوق‭ ‬وحنين‭ ‬للحرية‭.. ‬لإنشاء‭ ‬وطن‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬حقول‭ ‬الرماد‭ ‬وثنايا‭ ‬الألغام‭ ‬وسخام‭ ‬الحرب‭ ‬السوداء‭.‬

في‭ ‬بنغازي‭ ‬كانت‭ ‬الاحتفالات‭ ‬الرسمية‭ ‬تتم‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬الاستقلال‭. ‬عند‭ ‬الجامعة‭ ‬الليبية‭. ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الشرفة‭ ‬التي‭ ‬أعلن‭ ‬منها‭ ‬استقلال‭ ‬الوطن‭. ‬الجموع‭ ‬تأتي‭ ‬وتبتهج‭. ‬كانوا‭ ‬يقولون‭ ‬عن‭ ‬المناسبة‭ (‬فيشطة‭). ‬الكل‭ ‬يشارك‭. ‬ويصل‭ ‬إلى‭ ‬الموقع‭. ‬وربما‭ ‬آخرون‭ ‬ينأون‭ ‬ويبتعدون‭ ‬ويظل‭ ‬لهم‭ ‬رأيهم‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭. ‬تعطل‭ ‬الدوائر‭ ‬والمرافق‭. ‬وتمر‭ ‬وحدات‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬والبوليس‭ ‬والكشافة‭ ‬وشباب‭ ‬الأندية‭. ‬قوات‭ ‬بسيطة‭. ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تكابر‭ ‬بأسلحة‭ ‬كبيرة‭ ‬أو‭ ‬معقدة‭. ‬نظامها‭ ‬يراعي‭ ‬حدوده‭ ‬ولا‭ ‬يتعداها‭. ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬عداوات‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬أو‭ ‬أطماع‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك‭. ‬النظام‭ ‬يلتزم‭ ‬مبدأ‭ ‬العلاقات‭ ‬بالمثل‭ ‬والاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬ولا‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬بعيدة‭ ‬لا‭ ‬تخصه‭ ‬رغم‭ ‬المحاولات‭ ‬العديدة‭ ‬لجره‭ ‬واستفزازه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭. ‬النظام‭ ‬يعرف‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬ويلتزم‭ ‬الصمت‭ ‬ويضرب‭ ‬صفحا‭ ‬عما‭ ‬يحدث‭. ‬أعدت‭ ‬منصة‭ ‬الاحتفال‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الشرفة‭. ‬وسطها‭ ‬احتوى‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬محمد‭ ‬عثمان‭ ‬الصيد‭. ‬عن‭ ‬يمينه‭ ‬الفريق‭ ‬محمود‭ ‬بوقويطين‭ ‬قائد‭ ‬قوة‭ ‬دفاع‭ ‬برقة‭. ‬عن‭ ‬يساره‭ ‬اللواء‭ ‬السنوسي‭ ‬الاطيوش‭ ‬رئيس‭ ‬أركان‭ ‬الجيش‭. ‬في‭ ‬الخلف‭ ‬رجال‭ ‬الحكومة‭ ‬والسفراء‭ ‬الأجانب‭ ‬والأشقاء‭ ‬والمدعوون‭ ‬والجموع‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬الحاضرين‭. ‬شمس‭ ‬وصيف‭ ‬ويشرع‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬خطابه‭ ‬المعتاد‭ ‬بهذه‭ ‬المناسبة‭. ‬كان‭ ‬الحفل‭ ‬منقولا‭ ‬على‭ ‬الهواء‭ ‬لتتابعه‭ ‬ليبيا‭ ‬كلها‭. ‬والحدث‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬بنغازي‭. ‬مذيع‭ ‬الحفل‭ ‬وناقله‭ ‬كبير‭ ‬المذيعين‭ ‬فرج‭ ‬الشريف‭. ‬وحين‭ ‬بدأ‭ ‬الخطاب‭ ‬لم‭ ‬يصل‭ ‬صوت‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬عبر‭ ‬المكبرات‭ ‬ولم‭ ‬يسمعه‭ ‬الحاضرون‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬لعبة‭ ‬حدثت‭ ‬أو‭ ‬تمت‭ ‬دون‭ ‬علم‭ ‬المسؤولين‭. ‬إرباك‭ ‬حصل‭. ‬تحوطات‭ ‬أمنية‭ ‬مفاجئة‭. ‬ترددت‭ ‬أقاويل‭ ‬قوية‭ ‬بأن‭ ‬المنصة‭ ‬كانت‭ ‬تحتها‭ ‬متفجرات‭. ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬الصوت‭. ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬الخطاب‭. ‬صار‭ ‬الأمر‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬الحرج‭. ‬التحقيقات‭ ‬تداعت‭ ‬وشملت‭ ‬فنيين‭ ‬من‭ ‬الإذاعة‭ ‬أبعدا‭ ‬على‭ ‬أثرها‭ ‬من‭ ‬الإذاعة‭. ‬كانا‭ ‬يتوليان‭ ‬مسؤولية‭ ‬النقل‭ ‬الخارجي‭ ‬ويمثلان‭ ‬الهندسة‭ ‬الإذاعية‭. ‬لم‭ ‬يعودا‭ ‬للإذاعة‭. ‬نال‭ ‬التحقيق‭ ‬أيضا‭ ‬كبير‭ ‬المذيعين‭ ‬وخرج‭ ‬منه‭ ‬سالما‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لديه‭ ‬علم‭ ‬بالذي‭ ‬جرى‭ ‬وفوجئ‭ ‬به‭ ‬تماما‭. ‬هل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الصيف‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬أغسطس‭ ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬جوار‭ ‬المنصة‭ ‬أو‭ ‬تحتها‭ ‬أو‭ ‬بعيدا‭ ‬عنها‭. ‬هل‭ ‬ثمة‭ ‬تداعيات‭ ‬أو‭ ‬خوازيق‭ ‬أخرى‭ ‬لموضوعات‭ ‬سبقت‭ ‬في‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‭ ‬وقبله‭. ‬هل‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يثأر‭ ‬خلف‭ ‬الكواليس‭. ‬كتمت‭ ‬بنغازي‭ ‬الأسرار‭. ‬حادث‭ ‬المنصة‭ ‬في‭ ‬بنغازي‭ ‬مضى‭ ‬نحو‭ ‬المجهول‭. ‬خطوط‭ ‬اقتربت‭ ‬من‭ ‬خطوط‭ ‬سابقة‭ ‬لكنها‭ ‬لامست‭ ‬الظل‭ ‬ولم‭ ‬تطلع‭ ‬تحت‭ ‬توهجات‭ ‬الضوء‭. ‬أسباب‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬لكن‭ ‬شمس‭ ‬وصهد‭ ‬الأيام‭ ‬يطوي‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬بنغازي‭. ‬أجواء‭ ‬لها‭ ‬حرارتها‭ ‬تتوارى‭ ‬وتظل‭ ‬غير‭ ‬منظورة‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬العام‭ ‬لكنها‭ ‬تنبئ‭ ‬عن‭ ‬علامات‭ ‬وعوامل‭ ‬بعيدة‭ ‬تتجمع‭ ‬وتتراكم‭ ‬وتظهر‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭ ‬مع‭ ‬الأيام‭. ‬غضت‭ ‬الدولة‭ ‬الطرف‭ ‬عن‭ ‬الموضوع‭ ‬وكأنه‭ ‬لم‭ ‬يقع‭ ‬ما‭ ‬يريب‭. ‬ربما‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬تابعت‭ ‬ولاحقت‭ ‬ثم‭ ‬أغلقت‭ ‬ملفاتها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭.‬

الصيف‭ ‬يظل‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬عنوانا‭ ‬لوقائع‭ ‬كبيرة‭ ‬تتواصل‭ ‬تداعياتها‭ ‬وتتفق‭ ‬ولا‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭. ‬الأيام‭ ‬تطوي‭ ‬الأيام‭. ‬الموسم‭ ‬يتلو‭ ‬الموسم‭. ‬وجليانة‭ ‬تمتلئ‭ ‬بالحكايا‭. ‬ومقاهي‭ ‬الشابي‭ ‬كذلك‭. ‬السجن‭ ‬عند‭ ‬البحر‭ ‬به‭ ‬المتهمون‭ ‬الذين‭ ‬نالتهم‭ ‬الأحكام‭ ‬السابقة‭. ‬وخلف‭ ‬جدرانه‭ ‬العتيدة‭ ‬منذ‭ ‬أيام‭ ‬الطليان‭ ‬تخفي‭ ‬أيضا‭ ‬وراءها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأسرار‭. ‬تحفظها‭ ‬خلف‭ ‬الأسوار‭ ‬عند‭ ‬التلة‭ ‬وقرب‭ ‬المنارة‭ ‬القديمة‭ ‬والجديدة‭. ‬الأولى‭ ‬فرنسية‭ ‬والثانية‭ ‬إيطالية‭.. ‬وهكذا‭ ‬في‭ ‬الليل‭ ‬تومض‭ ‬بوهن‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬ترشد‭ ‬السفن‭ ‬إلى‭ ‬المرسى‭ ‬لدخول‭ ‬البوغاز‭. ‬والبحر‭ ‬يضرب‭ ‬صخور‭ ‬الشاطئ‭.‬

يقترب‭ ‬عيد‭ ‬الاستقلال‭. ‬البلد‭ ‬عمرها‭ ‬عشرة‭ ‬أعوام‭. ‬أيام‭ ‬بنغازي‭ ‬تتواصل‭ ‬لتبدأ‭ ‬حكايا‭ ‬وتفاصيل‭ ‬جديدة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ينهض‭ ‬نوامها‭ ‬من‭ ‬غفوتهم‭ ‬الطويلة‭. ‬حركة‭ ‬تمرد‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬بعد‭ ‬حادث‭ ‬المنصة‭. ‬إقالة‭ ‬رئيس‭ ‬الأركان‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬خلالها‭ ‬بجانب‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬وقائد‭ ‬البوليس‭. ‬والخطاب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يصل‭ ‬وانقطعت‭ ‬خطوطه‭ ‬أمام‭ ‬شرفة‭ ‬الاستقلال‭.‬

الجيش‭ ‬كان‭ ‬هادئا‭ ‬وساكنا‭.. ‬لكن‭ ‬القلق‭ ‬والتمرد‭ ‬وصل‭ ‬الى‭ ‬أعتابه‭ ‬حين‭ ‬علم‭ ‬بعض‭ ‬الضباط‭ ‬بإقالة‭ ‬رئيسهم‭. ‬كانوا‭ ‬تحت‭ ‬المجهر‭ ‬والمراقبة‭. ‬وبعد‭ ‬أيام‭ ‬سيحاكمون‭ ‬وينضمون‭ ‬إلى‭ ‬جدران‭ ‬السجن‭ ‬بين‭ ‬المنارتين‭ ‬في‭ ‬بنغازي‭.‬



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»