Atwasat

أرسان الحكمة والمعرفة الماتعة (2-2)

فرج الترهوني الثلاثاء 03 ديسمبر 2024, 02:18 مساء
فرج الترهوني

مررت ببعض السِّير العربية التي استهوتني وتفاعلت معها إلى حدٍّ كبير، لكنني بشكل أو بآخر رأيتُ أن سيرة نجيب الحصادي في كتابه «أرسان الروح» حققت لديّ نوعاً من الإشباع في ممارسة التلصص على حيوات ومواقف الآخرين، إلى جانب اكتساب معرفة متعددة الجوانب ليس أقلها فتح نوافذ جديدة على مفاهيم فلسفية معينة لم تحققها قراءة كتب الحصادي التي تغوص عميقاً في مسائل الفلسفة بمفرداته المكثفة وغير المألوفة. وربما يعود هذا الفهم والإشباع الذي ذكرت لخصوصية هذه السيرة، وذكرها لأشخاصٍ أعرف جلهم، أو أماكن ليست غريبة عني.

في البداية، لتقرأ نجيب الحصادي، ينبغي أن تكون مستعداً لاستيعاب عددٍ هائل من المفردات والصّيغ، التي على الرغم من التزامها بصحيح اللغة، إلا أنها في الغالب غير متداولة أو مألوفة، وهي ما يصفها محمد المفتي في تقديمه للكتاب بالمفردات الغامضة! ولكن الحصادي يهيّء القارئ لهذا الأمر بفقرة تصف أسلوبه، أوردناها في الجزء الأول من هذا المقال. ويعترف الحصادي صراحة بأن لديه خصوصياتٍ أسلوبية غريبة في اختياره لتعبيرات معيّنة، أو تجنب استخدام أخرى. ولعلّه يجيب عن بعض التساؤلات حول تدوين السّير، وماذا يجب أن تتضمن، بل ويتساءلُ إن كان قد أسرف في نقاش قضايا فلسفية ومشاريع بحثية، ويوضح أنه قصد أن يقف القارئ على بعض رؤاه الفكرية، وأنْ يعرفه من لم يعرفه، وأن تزداد معرفة من سبق له أن عرفه!

في رسن الترجمة التي له فيها باع طويل، كما له آراء لا تخلو من طرافة أو غرابةٍ، بل وحتى استهجان، فقد استوقفتني فقرة قطع فيها بأن الوفاء والجمال لا يجتمعان في التراجم ولا في النساء، ومن ثم فإن المرأة إن كانت جميلة فهي خائنة، وإن كانت وفية فمبلغ الظن ألا تكون على قدرٍ وافر من الجمال، وقد لا يتسق هذا الجزم مع معرفتي بأن ليس للحصادي آراء شوفينية ذكورية تتعلق بالإناث فهو منفتح ومتسامح وتقديره للمرأة عال وليس موضع شك. أو ربما يندرج قوله هذا ضمن مسألة فلسفية لا يفهمُ كنهها العامة.

إن الكتابة، كما يقول أمين مازن، يتركز تحقيق وظيفتها الرئيسة في النقد والتنوير عبر تقديم الحكمة والأمثولة والعظة بحُكمها على الأفكار والممارسات لشخصيات أو لتيارات سياسية وللعلاقات المتشابكة بينها اتفاقاً أو تشرذماً، ولا تتوقف عن إعلان رسالتها، حتى عندما تتحرر من أسر سجنها، متخطية مأزق مساربها، لتواصل استكمال مشروع توثيقها بغرض حفظها في الذاكرة الجماعية، حتى لا يجرفها النسيان، ولتسجل موقفها لغرض الاستفادة والعبرة.

ينشغل الحصادي كثيراً بالأمور الفلسفية، ويؤكد مراراً بأن من أكثر المسائل التي شغلته منذ الصغر ولا زالت هي مسألة «العقل والإيمان» التي بحثها تفصيلاً في كتابيْه «نتح الكمال» و «ليس بالعقل وحده» حيث يبحث ظواهر كونية ومسائل إيمانية قد تمر على الإنسان العادي دون اهتمام وتمحيص مثل التساؤل المنطقي: هل يصحّ على الله أن يكلف خلقه بما لا طاقة لهم به؟ وهل ما حرّمه على عباده شائن لأنه حرّمه عليهم، أم حرّمه عليهم لأنه شائن؟

أحد الفصول الأكثر إثارة هو ما يطرحه الحصادي حول سؤال الموت، ليصل إلى نتيجة مفادها أن البقاء بعد الموت هو مسألة فلسفية بامتياز، فالآراء تختلف حوله، وليس للعلم قول فصل في ذلك.

يتحدث الحصادي عن علاقته بالأدب وبالكتابة الإبداعية وحتى النقد الأدبي، ليخلص في تواضع يليق بمعلّمٍ وفيلسوف إلى أنه لو كان أكثر اهتماماً بالأدب لكان إسهامه في الفلسفة أكثر جدارة بالتقدير والاحترام.

حسُّ الفخر بالانتماء الدرناوي يبدو بارزاً يظل يذكره في كل حين، وتأخذ درنة وأهلها حيزاً كبيراً من حياة الحصادي وتفكيره، ففي معرض حديثه عن ترجمة كتب لصالح جهة ثقافية في مملكة البحرين شمل خمسين كتاباً، يقول بفخرِ إنه كان نصيب ليبيا فيها خمسة كتب، أنجزها جميعاً مترجمون ذوو أصول درناوية.

أما حول رسن الهوية، وبعدما يقدّم شرحاً متميزاً لا يخلو من جانب فلسفي للموضوع، يجدُ نفسه يُقر بميله إلى النزعة الإنسية المتسامحة تجاه الهويات الأخرى، لكن دون التخلي عن الانتماء الوطني، وفي هذا الشأن يُقدم مثالاً صارخاً، يصفه بالمفهوم الليبي للدين الإسلامي، ويقول إن الليبي قد تحدثه نفسه بالتراخي في أداء الصلاة وإخراج الزكاة، لكنها لا تحدثه أبداً بعدم صوم رمضان.

كما قد تحدثه نفسه بالسطو على المال العام والغش في الامتحان وتزوير أوراق رسمية، بل وحتى القتل، لكن نفسه لا تطاوعه أبداً في تناول لحم الخنزير. وفي شأن الهوية يقرر الحصادي في عبارة محدّدة لا يعوزها المنطق أن مفهوم الوطن لم يتشكل بعد في أفئدة الليبيين، وبالتالي ربما يتعيّن أن يؤجلوا اختلافاتهم إلى حين يكون لديهم وطن يختلفون عليه.

من خلال هذه السيرة الشائقة والغنية بالتجارب، رأيت اتساقاً في الشكل وفي الموضوع بين ما يطرحه الحصادي، وبين ما يقرره المفكر الشهير، هشام شرابي، وفحواه أن ما يحتاج إلى تغيير في بلادنا ليس أفكار الناس الخاطئة، بل أساليبهم الخاطئة في التفكير، وبأننا لا نعاني من الجهل فحسب، ولو كنا نعاني منه وحده لكفانا العِلم بما نجهل، بل نعاني من التخلف، والعلم وحده لا يكفي لعلاج التخلف، وأن الارتجال ضديد التخطيط.

ولهذا يأتي الحصادي في مواضع عديدة من السيرة على أهمية توطين العلم والتفكير الناقد وهو ركيزة أساس في منهج الفلسفة، لو تمّ الأخذ به في العملية التعليمية ومناهج الأكاديميات لتغيرت الكثير من مناحي الحياة إلى الأفضل. وفي الختام أقول إن من لم تُسعفه الظروف لقراءة أرسان روح نجيب الحصادي فقد فاته الكثير!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»