Atwasat

عصابة تتنكر في هيئة دولة

سالم العوكلي الثلاثاء 03 ديسمبر 2024, 12:48 مساء
سالم العوكلي

رغم كل ما يحيط بالكيان الصهيوني من عمل دعائي، والتعامل معه كمشروع دولة فرضتها عقدة الذنب الغربية، ومنحتها الدول الحاضنة صكاً على بياض لتقتل وتحرق وتبيد من أجل أن تبقى وتتمدد، إلا أنه لا يمكن أن تكون دولةً هذه البقعة الفاشية التي لم تُرسِّم حدودها حتى الآن، ولم تكتب دستورا لأنها لم تحدد قوانين الجنسية والمواطنة حتى الآن، لتترك المجال مفتوحا لكيان متقلب، يتمدد كما يشاء في الأرض، ويقلص كل مرة شروط المواطنة وفق ما تمليه اختبارات الحمض النووي.

ولا يمكن أن تكون دولةً تلك التي تخرج عن كل العرف والقوانين الدولية وتضرب مؤسسات الأمم المتحدة التي هي سبب وجودها، ولا يمكن أن تكون دولة تلك التي تعتبر أساس استمراراها الاغتيال المستمر كما تفعل العصابات الخارجة عن القانون.

فمنذ الاعتراف بهذا الكيان من قبل الأمم المتحدة الناشئة بأقل من خمسين دولة كمشروع توطين دولة دينية في قلب الشرق الأوسط، كان العمل مستمراً من قبل الدول الراعية لتقوية هذه العصابة ودعمها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وربطها بأجهزة التنفس والتغذية كي تستمر في الحياة.

نعم لا يمكن أن يطلق على كيان بهذا التدني الأخلاقي إلا اسم عصابة، وسنعترف أنها أكبر وأقوى عصابة تشكلت عبر التاريخ، بأجنحتها السياسية والعسكرية، وبترسانة أسلحة فتاكة، وبدعم منقطع النظير من القوى الغربية الكبرى، وبحق فيتو أمريكي يدافع عن جرائمها داخل مجلس الأمن.

وكل ذلك لا يعكس معنى الدولة لأن المحك هو السلوك، وسلوكها لا يختلف عن سلوك العصابات المتمردة، وعلى مر التاريخ أسست الدول الكبرى عصابات متمردة تدعمها داخل أنسجة دول ومجتمعات في كل قارات العالم، والكيان الصهيوني الذي زُرع في قلب منطقة عربية متجانسة تاريخياً وجغرافياً ولغوياً وثقافياً، لا يختلف عن أي نظام أبارتيد أو عصابة مدعومة من تلك القوى وطِّنت ودُعمت في دول في أمريكيا الجنوبية أو في آسيا أو في أفريقيا.

ولأنها لا ترقى إلى تعريف الدولة الطبيعية، فإن ذراعها المسلح أبعد ما يكون عن أخلاقية الجيش، فلا يمكن أن يكون جيشاً هذا الذراع المسلح من المدججين بكل العتاد، الذين يقتلون الجرحى في المستشفيات، ويبقرون بطون الحوامل، ويطلقون كلابهم على العجزة وذوي الاحتياجات الخاصة والمصابين بمتلازمة داون ويتفرجون عليها بمتعة وهي تنهش لحمهم، ولا يمكن أن يكون جيشاً ذاك الذي يدعو المدنيين إلى النزوح ثم يقصفهم في خيامهم ويحرقها بهم، ولا يمكن أن يكون جيشاً ذاك الذي ينسف المنازل الناجية من القصف أو يجرفها.

ولا يمكن أن يكون جيشاً ذاك الذي تدوس مجنزراته وجرافاته المنسحبة عربات الإسعاف وسيارات المدنيين النازحين المركونة جانب الطريق ويسويها بالأرض، ولا يمكن أن يكون جيشاً ذاك الذي يقصف المستشفيات والمدارس ومقرات الأمم المتحدة، ولا يمكن أن يكون جيشاً ذاك الذي يمنع إدخال المياه والطعام والأدوية والوقود والمساعدات الإنسانية للناجين من الأطفال والنساء والشيوخ في مخيماتهم، ولا يمكن أن يكون جيشاً من ينشر قناصته فوق السطوح لقنص المدنيين ومنع وصول سيارات الإسعاف إليهم، ولا يمكن أن يكون جيشاً ذاك الذي يضع المعتقلين المدنيين في صفوف بمن فهم الأطفال ويطلق النار عليهم، ولا يمكن أن يكون جيشاً ذاك الذي يحرق البساتين والزرع ويقتل البهائم وكل ما يدب على الأرض.

إنها عصابة مريضة تخوض حرب كراهية متأصلة لا علاقة لها بما يروجه العالم عن كونها دفاعاً عن النفس. هي حرب لا محرك لها سوى الكراهية العرقية نفسها التي أنتجت النازية وكل أنواع الفاشيات وحروب الإبادة، ولب حروب الإبادة هو اعتبار كل جنين في بطن أمه تهديداً لمشاريع هذا العصابة الفاشية التي تعرف أن وجودها يتناقض مع وجود الآخرين. لم تكن حرب هذا الكيان على غزة حربَ غضب أو انتقام مما حصل في السابع من أكتوبر، لكن محركها الأساسي هو الكراهية المتأصلة، ولا شيء يفضي في الحروب إلى الإبادة إلا الكراهية التي لا تستثني أحداً من شرورها.

«حين قارن أرسطو في (الخطابة) بين الكراهية والعداوة وبين الغضب، لاحظ أن الغضب موجّه ضد أناس بعينهم قاموا بأفعال بعينها. الغضب محدد من حيث السبب، والأشخاص، والزمن. غير أن الكراهية أكثر تجريداً، فهي تتعلق بجماعات، وليست مقيّدة بزمن، وهي لا تتلاشى حين تُنسى الإساءة، بل تظل تتحكم في المرء وتحرّكه.... قد تكره شخصا لم يسبق أن قابلته لأن عضويته المزعومة في جماعة مكروهة هي نفسها تحدٍ.

ليس الأمر فحسب هو (أكرهك لكونك ما تكون)، بل أيضا (ما دمت تكون، لا أستطيع أن أكون)؛ أو على حد تعبير سيرين كيركغورد، بالنسبة لمن يكره «كَرْبٌ أن يتنفس في العالم الذي يتنفس فيه من يكره. إنه يخشى من فكرة أن الأبدية سوف تضمهما معا». الآخر المكروه عائق لوجودي. وفي حين أنك في الغضب ترغب في إلحاق الضرر بالآخر، فيما يقول أرسطو، فإنك في الكراهية ترغب في تدميره 1.

ومن هذا المنطلق، أضيف أنها ليست دولة تلك التي تحتاج إلى قانون دولي يحميها من المعاداة أو النقد في سابقة تاريخية، حيث لم تحتَجْ أي دولة أو أمة أو دين عبر التاريخ لمثل هذا القانون، إلا إذا كانت عصابة أو أقلية مزعجة تعرف أن المحيط سيعاديها أينما حلت لأنها عاجزة عن الاندماج والتفاعل، ولأنها كثيراً ما تتحول إلى طابور خامس في الدول التي حضنتها. وبهذا القانون تعلن عن نفسها أنها ليست دولة يحميها القانون الدولي كما يفترض لأي دولة طبيعة، بل تحتاج إلى قانون خاص، وهذا النشاز جزء من طبيعتها البنيوية.

منذ نهايات القرن الماضي كان يشيع تعبير (الفوضى الخلاقة) في تصاريح سياسيين في الولايات المتحدة وبعض دول أوربا، ويعنى بها الفوضى التي يجب أن تخلق وضعاً ديموجرافياً وسياسياً واقتصاديا مختلفاً، من شأنه ترويم وإدماج هذا الكيان غصباً في المنطقة، وتحقيق مصالح تلك الدول التي تتداول هذا المصطلح الذي يبدو في ظاهره رومانسياً، غير أن وسيلة تحقيقه هي الدماء والإبادة وإشعال الحروب المستمرة، وبمجرد أن تخفت أو تنطفئ نار حرب في جزء من الشرق الأوسط تُشعَل نارٌ أخرى، بما يشبه النار المجوسية التي يتنقل بها عَبَدةُ النار، وعبدة نيران الحروب يسعون إلى أن يستمر دخانها متنقلاً من مكان إلى مكان، فبمجرد أن أوقِفت الحرب في لبنان بشروط تصب في مصلحة نتائج ما يسمونه الفوضى الخلاقة، كانت النار جاهزة لإشعالها في سورية من جديد كمرحلة لابد منها بعد حرب الإبادة في غزة ثم لبنان، بما يعني أن الشام القديمة التي كانت تشمل سوريا وفلسطين ولبنان يجب أن تكون في متناول هذا الكيان الذي هو في الواقع يشكل رأس الحربة لما يسمى الفوضى الخلاقة ثم صفقة القرن2.

ولتحقيق أهداف استراتيجية مثل هذه لا يمكن استخدام دولة محترمة ينطبق عليها القانون الدولي، بل توطين فكرة العصابة المتمردة في المنطقة التي يحق لها أن تضرب كما تشاء وتقتل وتغتال دون أن يطالها القانون أو ما تفرضه أخلاقية الحروب التقليدية المعنية بها الدول. بل إن هذا اللعب بتسمية الكيانات استخدم وشغّل حتى التنظيمات الإرهابية؛ كالقاعدة وداعش وغيرها، من أجل صياغة خارطات جديدة في هذه المنطقة المتوجس منها، مثلما سمت الجماعات المسلحة التي وضعتها سابقاً في قوائم الإرهاب، بالمعارضة، فيطلقون على تنظيم القاعدة في سوريا الذي مازال يحركه الظواهري اسم (جبهة النصرة)، ثم بتحالفها مع مجموعات إرهابية أخرى يسمونها (هيأة تحرير الشام) ثم يسمونها «فصائل المعارضة المسلحة»، واستبدال دكتاتوريات علمانية بدكتاتوريات دينية هو أحد تقنيات الإعداد لما يسمى الفوضى الخلاقة.

لا أحد يؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان لا يتمنى نهاية النظام الدكتاتوري في سوريا، لكن هل هؤلاء الهمج الذين يركضون في شوارع حلب بأحذيتهم الخشنة وابتهالات داعش هم البديل، والذين لو انتصروا سيتحاربون فيما بينهم على الغنيمة إلى الأبد، لأن الدولة في مفهومهم غنيمة لا غير. نعم هي فوضى عارمة لكن لا علاقة لها بالخلق أو الخلائق3.

الربيع العربي دشنه شبان من الطبقة الوسطى يحلمون بالكرامة والديمقراطية والحقوق والتنمية، لكن سرعان ما اخترقته القوى الدولية والإقليمية مع تنظيمات الإسلام السياسي المحلية لتحيل هذا الحلم إلى كابوس، لأنه كان حلماً يشوش على السيناريو المرسوم للفوضى الخلاقة الذي من شأنه أن يغير مزاج هذا الفضاء كي يتقبل وجود هذا الكيان الناشز ضمنه، وإدماجه فيما سمي الشرق الأوسط الجديد الذي يجب أن تكون هذه القاعدة المتقدمة، المتنكرة في شكل دولة، قائدته ومركزه بما يخدم المصالح الغربية في منطقة حيوية بالنسبة لهذه القوى المتصارعة عليها منذ قرون.

1ـ الكراهية، والسياسة، والقانون: منظورات نقدية في مكافحة الكراهية. تحرير: توماس برودهولم & بيغيت شيبلِرن يوهانسن مطبوعات جامعة أكسفورد 2018. ترجمه: نجيب الحصادي. قيد الطبع.
2ـ الجيش الصهيوني يمنع طائرة شحن إيرانية من الهبوط في مطار دمشق ويعيدها إلى طهران.
3ـ الفصائل المسلحة السورية المسماة (معارضة) والتي لا تستخدم في حربها سوى مفردات (الجهاد والمجاهدين) ترفع علم تركيا في كل بلدة تحتلها لأنها تعيش أضغاث أحلام عودة الخلافة ومركزها التركي، وعقيدتها ضد فكرة الوطن أو الدولة القطرية.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»